My-sign

ملاجئ محصنة وخطط طارئة.. هكذا تستعد طهران للحرب

News

تتحول مؤشرات التصعيد الإقليمي في طهران إلى خطط ملموسة على الأرض، مع شروع السلطات في أوسع عملية تحصين للمرافق العامة منذ عقود، تحسبا لاحتمالات نزاع مفتوح، تسعى من خلاله إلى حماية المدنيين وضمان استمرارية الحياة والخدمات الحيوية.هذه التحركات -التي تأتي في سياق ازدياد التوتر مع الولايات المتحدة– تعكس توجها رسميا للاستفادة من دروس الحروب السابقة، عبر إعادة توظيف البنية التحتية المدنية، ضمن خطة دفاع مدني شاملة ترصدها الجزيرة في تقرير أعده مراسلها عمر هواش.من تحت شوارع العاصمة الإيرانية، حيث تمتد أنفاق المترو تتكشف ملامح خطة لوجستية تعمل بلدية طهران على إعدادها تحسبا لأسوأ السيناريوهات، وفي مقدمتها احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق.وتقول السلطات إن الخطة تقوم على تحويل محطات المترو ومرائب السيارات تحت الأرض إلى ملاجئ مجهزة، قادرة على توفير حماية فورية للمدنيين، في حال تعرض العاصمة لمخاطر مباشرة، مع قدرة استيعابية تمتد إلى ملايين السكان.وفي هذا الإطار، أعلنت دائرة إدارة الأزمات في طهران تحديد 82 محطة مترو و300 مرآب سيارات داخل المجمعات التجارية والإدارية، لإيواء نحو 2.5 مليون مواطن، ضمن برنامج دفاع مدني يضع حماية المدنيين في صدارة أولوياته.ولا تقتصر هذه الاستعدادات على البعد الأمني فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، في محاولة لضمان استمرارية تدفق السلع الأساسية ومنع اضطراب الأسواق في حال دخول البلاد مرحلة الحرب.وفي هذا السياق، أكد محمد رضا عارف النائب الأول للرئيس الإيراني أن الحكومة تمتلك برنامجا اقتصاديا للحرب جاهزا للتفعيل، يهدف إلى إدارة السوق وتأمين الاحتياجات اليومية للمواطنين في الظروف الحرجة.أما في القطاع الصحي، فتشير وزارة الصحة الإيرانية إلى استمرار العمل بتعليمات الطوارئ المعتمدة منذ حرب 12 يوما الصيف الماضي، مؤكدة جاهزية المستشفيات لاستقبال أعداد كبيرة من المصابين وتشغيل خطط استجابة طبية واسعة.وتأتي هذه الجاهزية رغم التحديات التي تفرضها العقوبات الأمريكية والأوروبية والدولية، ولا سيما فيما يتعلق بتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وهي قيود تقول السلطات إنها أُخذت في الحسبان ضمن خطط الطوارئ.بين الأنفاق والأسواق والمستشفيات، ترسم طهران صورة استعداد شامل يهدف إلى تقليل كلفة أي مواجهة محتملة وحماية المدنيين وضمان استمرارية الحياة، في بلد يؤكد أنه يضع كل الاحتمالات على الطاولة، ومن بينها الحرب.

مكافأة نهاية الخدمة.. إسرائيل قصفت السبت عملاءها في غزة

News

كشف مصدر قيادي في أمن المقاومة الفلسطينية بغزة أن الاحتلال الإسرائيلي تعمّد، خلال استهدافاته الأخيرة للقطاع، ضرب مواقع كانت تُستخدم لتوقيف عناصر متورطين بالتخابر مع الاحتلال، في مسعى مباشر لإفشال الجهود الأمنية التي تقودها المقاومة.وقال المصدر -لوسائل إعلام محلية- إن الضربات الإسرائيلية جاءت بصورة مباشرة وممنهجة ضد أماكن احتجاز عملاء جرى اعتقالهم مؤخرا.وأشار القيادي الأمني إلى أن بعض مَن استهدفهم جيش الاحتلال ينتمي إلى عصابات عميلة كانت تنشط في تنفيذ مهام أمنية لصالح الاحتلال داخل قطاع غزة.وأضاف أن هذا السلوك ليس جديدا على الاحتلال، بل يندرج ضمن نهج استخباري إسرائيلي متواصل خلال العدوان، استهدف مرارا مواقع احتجاز العملاء، بهدف التغطية على مخططاته الاستخبارية وضرب البنية الأمنية للمقاومة.وأول أمس، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي 31 فلسطينيا في قصف طال أهدافا عدة، بينها مركز للشرطة بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة وخيام للنازحين في مواصي خان يونس جنوبي القطاع.وأوضح المصدر القيادي في أمن المقاومة أن أجهزة أمن المقاومة نجحت مؤخرا في إحباط عدة محاولات معادية نفذتها خلايا مرتبطة بالاحتلال، كانت تسعى إلى إثارة الفوضى الأمنية داخل غزة أو جمع معلومات ميدانية حساسة.وأشار إلى أن هذه العمليات أسفرت عن اعتقال عدد من العملاء أثناء التحضير لتنفيذ مهام خطِرة، في حين قُتل آخرون خلال الغارات التي استهدفت مواقع توقيفهم.وشدد المصدر على أن المقاومة تواصل متابعة هذا الملف الحساس، مؤكدا أنها لن تسمح للاحتلال باستخدام عملائه أداة لضرب الجبهة الداخلية، وأن المعركة الاستخبارية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، وفقا لتصريحه.وتأتي هذه التصريحات في سياق إجراءات أعلنتها أجهزة أمن المقاومة في غزة خلال الفترة الماضية، إذ كشفت في أكثر من حادثة عن استهداف من وصفتهم بـ"عملاء للاحتلال"، قالت إن الاحتلال كثّف توظيفهم لضرب البنية التحتية للأمن الفلسطيني ومحاولة الوصول إلى مقاومين وجمع معلومات ميدانية.وكان تجمع القبائل والعشائر الفلسطينية في قطاع غزة أعلن رفع الغطاء العشائري عن كل من يثبت تورطه في مخالفات تمس الأمن المجتمعي الفلسطيني، مؤكدا دعم الجهود الرامية إلى حماية الجبهة الداخلية والتصدي لأي أنشطة تهدد الاستقرار الداخلي.

حظر تجول بالحسكة والقامشلي مع بدء تنفيذ اتفاق دمشق وقسد

News

أعلنت قوات الأمن الكردية (الأسايش) الأحد حظر التجول في مدينتي الحسكة والقامشلي بشمال شرقي سوريا، إيذانا ببدء تنفيذ الاتفاق المبرم بين دمشق وتنظيم قسد لدمج مؤسساتها في الدولة، فيما وجه قائد الأمن الداخلي في حلب رسائل طمأنة مباشرة للأكراد السوريين.وقالت قوات الأمن الكردية -في بيان- إن حظر التجول في الحسكة يبدأ الاثنين اعتبارا من السادسة صباحا (03:00 بتوقيت غرينتش) وحتى السادسة مساء، على أن يُفرض الإجراء ذاته في القامشلي الثلاثاء.وأوضحت أن ذلك يأتي "في إطار الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي".وأفاد مصدر أمني كردي -لوكالة الصحافة الفرنسية- بأن قائد الأمن الداخلي في الحسكة مروان العلي زار الأحد مقر قوات الأمن الكردية في مدينة القامشلي.وتوصلت السلطات في دمشق وقوات قسد الجمعة إلى اتفاق "شامل" لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية، بعد أسابيع من الاشتباكات بين قوات الطرفين، تمكنت دمشق على إثرها من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في شمالي البلاد وشرقيها.بدوره، أعلن قائد قسد مظلوم عبدي أن الاتفاق سيبدأ تطبيقه ميدانيا اعتبارا من الاثنين، وستتراجع قواته والقوات الحكومية من "خطوط الاشتباك" في الشمال الشرقي ومدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب، على أن تدخل "قوة أمنية محدودة" إلى الحسكة والقامشلي.على صعيد متصل، قال قائد الأمن الداخلي في حلب محمد عبد الغني إنه زار منطقة عين العرب والتقى القادة الأمنيين التابعين لقسد في المدينة.وأضاف عبد الغني -في تصريح للجزيرة- أن أجواء اللقاء كانت إيجابية، وأن الدولة السورية تسعى لبناء سوريا القانون والانضباط.ووجه قائد الأمن الداخلي في حلب رسائل طمأنة مباشرة للأكراد السوريين، مفادها أن سوريا في عهدها الجديد ليست دولة انتقام أو استعراض قوة.وفي سياق حديثه عن المظالم التاريخية للمكون الكردي، قال عبد الغني: "نحن نعي حجم الظلم الذي مورس على أهلنا الكرد، ويدا بيد -إن شاء الله- سنرفع الظلم عن كل السوريين".ويتضمن الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقسد دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.ويهدف الاتفاق إلى توحيد الأراضي السورية وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

مؤسس "أب سكرولد": كسرنا حاجز 2.5 مليون مستخدم خلال أيام

News

تحدث مؤسس منصة "أب سكرولد" (UpScrolled) عصام حجازي، الذي تحولت منصته الجديدة إلى الصيحة الأحدث في عالم منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية، بشكل مكثف عن سبب تأسيسه للمنصة والمرحلة القادمة لها ضمن فعاليات قمة الويب في قطر 2026.ويؤكد حجازي أن السبب الرئيسي الذي دفعه لتأسيس المنصة وإطلاقها هو الحاجة لوجود منصة تواصل اجتماعي تخدم مصلحة مستخدميها بدلا من مصلحتها الخاصة، ويضيف قائلا: "أثبتت الشركات التقنية الكبرى خلال السنوات الماضية أنها شركات غير أخلاقية".وتابع حديثه مشيرا إلى أن الشركات لا تهتم كثيرا بمصلحة المستخدمين، وذلك سواء عبر بيع بيانات المستخدمين إلى الشركات الأخرى، فضلا عن إهمالها الصحة النفسية للمستخدمين طالما سيفيدها الأمر ويساعدها في تحقيق المزيد من الأرباح.ويصف حجازي -وهو فلسطيني أردني أسترالي- منصات التواصل الاجتماعي بكونها المنفذ الإعلامي الرئيسي حاليا، ولكنها تقوم الآن بحظر المحتوى الذي يتحدث عن أزمة غزة ويقف إلى جانب الفلسطينيين، ويؤكد أنه مر شخصيا بهذا الأمر، مضيفا أن عملية الحظر تتم بشكل متحيز ومنهجي.ويؤكد أنه لذلك تسعى منصة "أب سكرولد" إلى تغيير هذا الأمر بشكل كامل عبر بناء منصة تواصل اجتماعي مفيدة حقا للمستخدمين، ويتضمن هذا الأمر القطاعات كافة وليس ما يحدث في غزة فقط.ويؤكد حجازي أن منصته تمنح الجميع فرصة للحديث عما يرونه دون محاولة تقويضهم، وذلك سواء كانوا من اليمين أو اليسار، كما أنهم لا يعززون وصول أي محتوى أو تقويضه.ويضيف أن المنصة لا تملك خوارزمية بالشكل المعهود، وذلك جزء محوري من تصميم المنصة ونقطة اختلافها عن بقية المنصات، ولكنها تضم مزايا مصغرة لاكتشاف المحتوى الذي تقوم باختياره.وتركز المنصة بشكل أساسي على متابعة المستخدمين الذين ترغب في متابعة تحديثاتهم والوصول إلى المعلومات عنهم، وليس مزايا الاكتشاف والترويج المدفوع أو حتى الخوارزميات.ولم يسبب هذا التوجه أي تحديات للمنصة أثناء جمع التمويلات الخاصة بعكس المتوقع، ويؤكد حجازي أن هناك عددا من المستثمرين الأخلاقيين كما وصفهم، يسعون لأن يصبحوا جزءا من المنصة ويشاركوا في رحلة النجاح الخاصة بها.ويرى حجازي أن منصته تختلف كثيرا عن "بلو سكاي" (BlueSky) وبقية المنصات الأخرى، إذ إن "أب سكرولد" لا تضم أي نوع من أنواع الخوارزميات وتمنح المستخدمين التحكم بشكل كامل فيما يرغبون برؤيته.وأوضح أيضا أن منصته ليست مؤيدة للقضية الفلسطينية فقط، بل هي مجرد منصة تمنح المستخدمين حرية الحديث عما يرغبون فيه طالما كان لا يخالف القانون، وأكد أن شركته تملك فرقا من القانونيين والمشرعين للحفاظ على أمن المنصة للجميع.كما أكد أن أب سكرولد ستجري اجتماعات دورية مع المستخدمين للاستماع إليهم وجمع الملاحظات في محاولة لجعل المنصة أفضل وأكثر أمانا للمستخدمين.وقد تمكنت منصة "أب سكرولد" من تحقيق نجاح كبير دون الإنفاق على التسويق أو التعاون مع المؤثرين في أي قطاع حول العالم وفق تصريحات حجازي، مشيرا إلى أنها تمكت من كسر حاجز 2.5 مليون مستخدم في أقل من أسبوعين تقريبا منذ تسليط الضوء عليها.كما أن المنصة الآن تحتل المركز الأول في العديد من المتاجر الرقمية حول العالم، ويرى حجازي أن نجاح المنصة ليس صيحة قد تختفي قريبا ولكنها تلبي حاجة ملحة لدى المستخدمين.وتعكس قمة الويب 2026 التي تستضيفها الدوحة الآن هذا النجاح أيضا، إذ نفدت التذاكر الخاصة بالمنصة فور الإعلان عن مشاركة عصام حجازي فيها، وشهدت حضور أكثر من 30 ألف مشارك من أكثر من 120 دولة.كما تشهد القمة حضور أكثر من 1600 شركة ناشئة و700 مستثمر يمثلون كبرى صناديق الاستثمار حول العالم إلى جانب 380 متحدثا من مختلف الخلفيات والفئات.

رئيس الوزراء القطري بقمة الويب: سنضخ مليارَيْ دولار لدعم الشركات الناشئة

News

أعلن الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية عن توسيع استثمارات دولة قطر في قطاع التكنولوجيا عبر ضخ مليارَيْ دولار إضافية لدعم الشركات الناشئة، كما تحدث عن إطلاق "شركة وطنية للذكاء الاصطناعي".وخلال كلمته في افتتاح "قمة الويب قطر"، التي تستمر حتى 4 فبراير/شباط الجاري، كشف رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري أن التمويل الجديد يأتي بناء على البرنامج السابق لهيئة قطر للاستثمار البالغ مليار دولار، ليصل إجمالي الدعم الموجه لهذا القطاع إلى مستويات غير مسبوقة.كما أكد سعي الدوحة لعدم الاكتفاء بمشاهدة المستقبل، بل المساهمة الفعالة في تشكيله بالتعاون مع الشركاء الدوليين.وأشار إلى أن البيئة الاستثمارية في قطر شهدت قفزة نوعية، حيث تضاعف عدد الشركات الناشئة المسجلة ليصل إلى 6 آلاف شركة خلال عام واحد فقط.وفي خطوة إستراتيجية لتعزيز السيادة التكنولوجية، أعلن رئيس الوزراء عن إنشاء "شركة وطنية للذكاء الاصطناعي" تعنى بتطوير البنى التحتية والبرمجيات، وتوفير قدرات حوسبية عالية الجودة تضمن استدامة الابتكار داخل الدولة. وأكد أن قطر تربط بين رأس المال والقدرات التكنولوجية لتزويد الشركات الناشئة بـ"ائتمان حاسوبي" يضمن نموها المتسارع.واستعرض معاليه سلسلة من الحوافز الجديدة، شملت توسيع برامج بنك تنمية قطر لعام 2026، وإطلاق برنامج "الياقوتة" المخصص لمؤسسي الشركات والمديرين التنفيذيين لتسهيل إقامتهم.وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري التزام الدولة بتبسيط الإجراءات الإدارية، مشيرا إلى إزالة العوائق أمام تأسيس الشركات وإنهاء المعاملات المالية في غضون أيام قليلة، لبناء بيئة قائمة على الشفافية والثقة.واختتم الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني كلمته بالإشارة إلى أن قطر تمتلك المقومات اللوجستية والتكنولوجية اللازمة، بدءا من الربط العالمي عبر الخطوط الجوية القطرية ومطار حمد الدولي، وصولا إلى البنى التحتية الرقمية المتطورة، داعيا المبتكرين حول العالم للاستثمار في قطر والمساهمة في مرحلة "الانتقال من رأس المال إلى الازدهار".وكانت قطر قد أعلنت في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي عن إطلاق شركة "كاي" (Qai)، وهي شركة وطنية متخصصة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتهدف إلى بناء منظومات رقمية متقدمة تدعم الابتكار، وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة.ويأتي إطلاق الشركة الجديدة ضمن التوجه الوطني لتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة وتطوير بنية تحتية رقمية تواكب التحولات العالمية المتسارعة، بما يدعم مسيرة التنويع الاقتصادي في الدولة، تماشيا مع رؤية قطر الوطنية 2030.وتتبع شركة "كاي" (Qai) جهاز قطر للاستثمار، وتستفيد من انتشار استثمارات الجهاز في قطاعات متعددة في أنحاء العالم، إلى جانب نهجه الاستثماري طويل الأجل، علاوة على تعاونها الوثيق مع الأوساط العلمية والبحثية وصناع السياسات ومنظومة الابتكار في دولة قطر.

ماذا سيحدث لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟

News

مع تصاعد التهديدات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد بوصفه نقطة اختناق حيوية لأسواق الطاقة العالمية، وورقة ضغط إستراتيجية قادرة على نقل التوتر من مستوى الخطاب السياسي إلى صدمة اقتصادية دولية واسعة التأثير.ولم يكن هذا الممر البحري مجرد قناة لعبور السفن، بل ارتبط تاريخيا بالصراعات الكبرى في الخليج، كما يوضح تقرير على الجزيرة أعدّه صهيب العصا، مستعيدا سنوات الحرب الإيرانية العراقية حين تحول المضيق إلى ساحة مفتوحة لحرب الناقلات.خلال تلك السنوات، استُهدفت ناقلات النفط من الطرفين، ما أدى إلى اضطراب حاد في الملاحة البحرية، وارتفاع قياسي في أسعار النفط، لتترسخ مكانة المضيق لاحقا، باعتباره نقطة ارتكاز سياسية واقتصادية تتضاعف حساسيتها مع كل تصعيد عسكري جديد.ويربط مضيق هرمز المياه الخليجية بخليج عُمان وبحر العرب، ويمتد لمسافة تقارب 180 كيلومترا، في حين لا يتجاوز عرضه عند أضيق نقطة 33 كيلومترا، مع عمق يصل إلى 60 مترا يسمح بمرور أضخم ناقلات النفط.ويضم المضيق ممرين ملاحيين بعرض 3 كيلومترات لكل اتجاه، يفصل بينهما نطاق عازل وتخضع مياهه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان، في حين تعبره يوميا نحو 21 مليون برميل نفط، أي ما يعادل 21% من الاستهلاك العالمي.ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على النفط فقط، إذ يمر عبر المضيق أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعله شريانا أساسيا لأمن الطاقة في آسيا، خصوصا الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى أوروبا.وأي إغلاق كامل للمضيق قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 200 دولار للبرميل خلال أيام مع قفزات هائلة في تكاليف التأمين البحري ونقص حاد في الإمدادات، وهو سيناريو كفيل بإحداث هزة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية.عسكريا، يُنظر إلى حرية الملاحة في المضيق باعتبارها خطا أحمر للولايات المتحدة وحلفائها، ما يجعل أي إغلاق مدخلا لتدخل عسكري مباشر، رغم أن إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نفطها واستيراد احتياجاتها الأساسية.وخلال سنوات التوتر الماضية، لوّحت طهران مرارا باستخدام المضيق كورقة ضغط، كما حدث في 2019 عبر هجمات على ناقلات في خليج عمان واحتجاز سفن تجارية، قبل أن تكثف لاحقا دورياتها البحرية وتلوّح بإجراءات رادعة.وتعتمد إيران، وفق تقديرات عسكرية، على وسائل غير تقليدية لتعطيل الملاحة من بينها آلاف الألغام البحرية وزوارق سريعة مزودة بصواريخ وطوربيدات ومسيرات انتحارية، إضافة إلى تقنيات تشويش على أنظمة الملاحة العالمية.بهذه الأدوات، يتحول مضيق هرمز من ممر حيوي لتدفق الطاقة إلى ساحة صراع محتملة، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالاقتصاد العالمي، في مواجهة مفتوحة يصعب التنبؤ بحدودها أو مآلاتها.

ترمب يعلق على وثائق إبستين الجديدة

News

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الوثائق الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية بشأن الملياردير جيفري إبستين "لا تدينه، بل تبرئه"، معتبرا أن ذلك عكس ما كان يأمله اليسار الراديكالي.وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين على متن طائرة "إير فورس وان" خلال رحلته من واشنطن إلى ولاية فلوريدا، أمس السبت، تطرق ترمب إلى نشر أكثر من 3 ملايين وثيقة جديدة على صلة بالتحقيق في قضية إبستين.وأضاف ترمب -معلقا على الوثائق- "لم أطلع عليها بنفسي، لكن بعض الأشخاص المهمين جدا أخبروني بأنها لا تبرئني فحسب، بل تكشف أيضا صورة معاكسة تماما لما كان يأمله اليسار الراديكالي".وقال ترمب إن "هذه الوثائق -خلافا للتوقعات- لم تظهر أي أمر ضده"، مضيفا أن الوثائق "تبين أن الصحفي الأمريكي مايكل وولف تحرك مع إبستين بدوافع تهدف إلى إلحاق ضرر سياسي به"، في إشارة للادعاءات المتعلقة به حول الاعتداء على قاصرات.وأشار إلى أنه قد يلجأ إلى رفع دعوى قضائية ضد وولف، وربما أيضا ضد تركة إبستين إذا لزم الأمر.وكان تود بلانش نائب وزير العدل الأمريكي قد أعلن، أول أمس الجمعة، نشر ملفات جديدة للرأي العام ضمن التحقيقات المتعلقة بإبستين، رجل الأعمال الأمريكي المتهم بإدارة شبكة واسعة من الاستغلال الجنسي للقاصرات.ووُجد إبستين ميتا في السجن بنيويورك عام 2019 في أثناء احتجازه.وقال بلانش -في مؤتمر صحفي- إن الدفعة الضخمة من الملفات التي تم نشرها الجمعة تمثل نهاية الإفصاحات المخطط لها من قبل ⁠إدارة الرئيس دونالد ترمب بموجب القانون، وتتضمن أكثر من 3 ملايين صفحة ​وألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة.وتابع أن الملفات تتضمن تنقيحات "واسعة النطاق"، نظرا لاستثناءات القانون التي تسمح بحجب بعض الوثائق، بما في ذلك المعلومات التعريفية للضحايا أو المواد المتعلقة بالتحقيقات الجارية.وتضمنت ملفات القضية أسماء شخصيات عالمية بارزة، مثل الأمير البريطاني أندرو، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، والحالي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، والمغني مايكل جاكسون، وحاكم ولاية نيو مكسيكو السابق بيل ريتشاردسون.يذكر أن ترمب كان ‍صديقا لإبستين خلال فترة ⁠التسعينيات وأوائل القرن الجاري، ثم اختلفا قبل سنوات من إدانة إبستين الأولى، وقضى الأخير شهورا يقاوم أي إفصاح، حتى أجبره الديمقراطيون والجمهوريون في الكونغرس على ذلك.ولم يتم اتهام ترمب رسميا بأي مخالفة تتعلق بإبستين، كما نفى أي معرفة له بجرائمه، لكن الفضيحة لاحقت ترمب لأشهر، خاصة أن الملفات نشرت خلال حملته الانتخابية عام 2024.وكتبت وزارة العدل -في بيان صحفي- أن "بعض الوثائق تحتوي على ​ادعاءات غير صحيحة ومثيرة ضد الرئيس ترمب، تم تقديمها إلى مكتب ‌التحقيقات الفدرالي قبل انتخابات 2020 مباشرة".

آمال معلقة على بوابة رفح.. مرضى غزة بين الانتظار والوقت القاتل

News

تترقب آلاف العائلات في قطاع غزة فتح معبر رفح كنافذة أخيرة للعلاج، وسط انهيار غير مسبوق للمنظومة الصحية، وعجز المستشفيات عن التعامل مع إصابات معقدة وأمراض مهددة للحياة.ويتكدس المرضى والجرحى على قوائم سفر متعثرة منذ شهور طويلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يتحول فتح المعبر المرتقب إلى أمل محدود لا يوازي حجم الكارثة الإنسانية.وفي ضوء هذا الوضع الكارثي، رصدت كاميرا مراسل الجزيرة رامي أبو طعيمة -من داخل مجمع ناصر الطبي في خان يونس (جنوبي القطاع)- مشاهد ترقب وقلق لمرضى ينتظرون دورهم في السفر عبر معبر رفح.ففي قسم الجراحة، يجلس الجريح مفلح أبو عنزة -بأوراقه الجاهزة- عاجزا عن الوقوف على قدميه، ومنتظرا الضوء الأخضر للخروج للعلاج. ويعتقد أن المستشفيات في غزة لا تملك القدرة على إجراء عمليات تغيير المفاصل وزراعة العظام، أو علاج التهابات العظم التي يعانيها.وفي الإطار ذاته، أكد جريح آخر أن إصابته في القدم والحوض تتطلب تدخلات غير متوفرة داخل القطاع، لافتا إلى أن الانتظار طال إلى حد بات معه الخروج هو الأمل الوحيد، في ظل نقص حاد في الدم وانعدام الإمكانيات الطبية.من جانبه، وصف الدكتور أحمد الفرا -مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي- فتح المعبر بأنه "بارقة أمل كبيرة" للمرضى والجرحى، لكنه حذر من أن الآلية المطروحة تُنذر بكارثة.وأوضح الفرا -خلال حديثه للجزيرة- أن السماح بخروج 50 مريضا يوميا فقط مع مرافقين اثنين لكل مريض يعني أن نحو 22 ألف مريض سيحتاجون إلى 440 يوما للخروج في أفضل الأحوال، وهو رقم وصفه بـ"الكارثي".وأكد أن 1280 مريضا فقدوا حياتهم أثناء انتظار التحويل للعلاج خلال فترة الإغلاق، مشيرا إلى أن أقسام العناية المركزة والأطفال والجراحة تشهد وفيات يومية بسبب نقص الإمكانيات.ووفق مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، فإن التجارب السابقة مع فتح المعبر تُظهر تراجع الاحتلال عن الأعداد المعلنة، بذريعة الأعذار المتكررة.وحول آلية التنظيم، أوضح الفرا أن لجنة التحويلات بوزارة الصحة تعمل على تصنيف الحالات وفق الأولوية، وفي مقدمتها الحالات الطارئة المنقذة للحياة، مثل أطفال أمراض القلب الولادية، والجرحى المصابين بالتهابات شديدة وكسور معقدة، ومرضى السرطان الذين انقطع علاجهم.وبيّن أن هناك 5 آلاف طفل ضمن أصحاب الحالات المحتاجة للتحويل، بينهم ألف طفل يحتاجون إلى خروج فوري، واصفا وتيرة الخروج الحالية بأنها "تقطيرية" وستؤدي إلى تراكم الأعداد واستنزاف الأرواح.ودعا إلى فتح المعابر لإدخال المستلزمات الطبية والطواقم المتخصصة، مؤكدا أن علاج 50% إلى 70% من الحالات ممكن محليا إذا توفرت الأدوات والاختصاصات، وإلا فإن رفع عدد المسافرين إلى 200 أو 300 مريض يوميا بات ضرورة ملحة لتفادي مزيد من الخسائر البشرية.وفي أحدث إحصاءاتها، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة الأحد ارتفاع حصيلة حرب الإبادة الإسرائيلية إلى 71 ألفا و795 شهيدا فلسطينيا، و171 ألفا و551 مصابا، وذلك منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تحت ضغط ترمب.. كارتلات الكوكايين تنقل معركتها إلى أفريقيا

News

لم يعد نقل الكوكايين والمخدرات مجرد عملية تهريب عابرة للحدود، بل تحول إلى إستراتيجية "إعادة تموضع" كبرى تقودها الكارتلات الدولية، وفقا لتقرير نشرته مجلة "جون أفريك" التي تصدر في باريس.فمع اشتداد الخناق الأمني في القارة الأمريكية بسبب سياسات الضغط التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترمب، بدأت -وفقا لمعدة التقرير أرين كونروي- شبكات الجريمة المنظمة في الزحف نحو قارة أفريقيا، مستغلة "فسيفساء الضعف" التي تعاني منها دول القارة.ونسبت الكاتبة لمحررين أن تجارة المخدرات لا تخلق مسارات جديدة من العدم، بل تنمو حيثما وجدت "الدولة الضعيفة". فالبنية التحتية القانونية من موانئ، وشركات شحن، ومستودعات جمركية غير مراقبة، تتحول إلى أدوات لوجستية في يد الكارتلات.ويلفت "مؤشر الجريمة المنظمة في أفريقيا لعام 2025″ النظر إلى حقيقة صادمة: "في قرابة نصف الدول الأفريقية، تلعب جهات مرتبطة بالدولة دوراً محورياً -بل ومهيمناً أحياناً- في تسهيل الجريمة المنظمة".هذا التغلغل الرسمي يجعل من مواجهة هذه الشبكات معركة خاسرة في ظل غياب "المرونة المؤسسية"، حيث يواجه 92.5% من دول القارة صعوبة في الصمود أمام نفوذ هذه المافيات.تبرز جنوب أفريقيا كنموذج صارخ لتلاقي العنف الداخلي مع المصالح الإجرامية الأجنبية. فرغم امتلاكها مؤسسات أقوى من جيرانها، فإن اختراق الجريمة المنظمة للسياسة أدى إلى فوضى عارمة، حيث يُقتل وسطياً 63 شخصاً يومياً.أما نيجيريا، فقد تحولت إلى "مركز لوجستي" يربط تدفقات الهيروين من شرق أفريقيا بالأسواق العالمية في أوروبا وأمريكا الشمالية، وتتغذى هذه الشبكات هناك على صراعات الجماعات المسلحة، مثل "بوكو حرام" التي تعمل -حسب التقرير- كمستهلك وتاجر للسلاح والمخدرات في آن واحد، مستفيدة من حدود برية مخترقة وتمويلات إجرامية تغذي العمل السياسي.وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تأخذ الجريمة طابعاً اقتصادياً دامياً، حيث يتم خلط المعادن الثمينة -مثل الكوبالت والذهب المستخرج بطرق غير قانونية- مع الإنتاج الرسمي، ثم يتم تصديره عبر شركات وهمية.خبير كونغولي: الشبكات الإجرامية التي تواجه انكماشاً في مساحات عملها بالأمريكتين، ستبحث عن مساحات أخرى تكون فيها المخاطر أقل والعوائد غامضةويلخص خبير كونغولي -رفض الكشف عن هويته- هذا المشهد بقوله إن "الشبكات الإجرامية التي تواجه انكماشاً في مساحات عملها بالأمريكتين، ستبحث عن مساحات أخرى تكون فيها المخاطر أقل والعوائد غامضة".وتوفر أفريقيا اليوم هذه التوليفة المثالية للهروب من الملاحقة الدولية، مما ينذر بتحول القارة من مجرد محطة ترانزيت إلى قاعدة عملياتية كبرى تهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.لكن المشكلة الأخطر -وفقا للكاتبة- لا تكمن فقط في نمو الأسواق غير المشروعة، بل أيضاً في السيطرة عليها. ففي نحو نصف الدول الأفريقية، يكشف المؤشر أن الجهات الفاعلة المرتبطة بالدولة تلعب دوراً هاماً، أو حتى مهيمناً، في الجريمة المنظمة.

شرطة فرنسا تحتج على "انعدام" الحماية القانونية وإرهاق العمل

News

باريس- في بلد يُفاخر بإرثه الحقوقي ومؤسساته الأمنية العريقة، حيث تعد الشرطة رمزا للسلطة والنظام، تتكشف معاناة عميقة يعيشها آلاف من عناصر جهاز الأمن في فرنسا.وبعيدا عن الصورة الرسمية التي تقدم رجال الشرطة كحماة للسلطة التنفيذية والقانون، ظهرت ضغوط مهنية ونفسية وقانونية متزايدة وظروف عمل غير لائقة تجعل العمل الأمني في البلاد من أصعب المهن التي تواجه تحديات مستمرة لا تنتهي بانتهاء الدوام.ومن معدلات الإصابة إلى تضخم المهام وأعداد حالات الانتحار، تكشف الأرقام أن النظام الأمني الفرنسي بحاجة لإصلاحات عميقة لا تعالج تبعات الأحداث فحسب، بل تضمن بيئة عمل مناسبة وحماية قانونية واضحة، لتعود إلى الواجهة النقابات الأمنية وتطالب الحكومة بالإجابة: من يحمي من يُفترض بهم حماية الآخرين؟ووفقا للنقابات الأمنية، تُعد الاعتداءات على الشرطة في فرنسا جزءا من يوميات العمل؛ ففي الضواحي كما في مراكز المدن، يواجه عناصر الأمن أشكالا متزايدة من العنف، مثل رشق الحجارة والتهديد بالأسلحة البيضاء واعتداءات جسدية، وتمتد هذه المخاطر إلى مهام روتينية كمراقبة المرور أو فض نزاع عائلي.وفي هذا الإطار، تعتبر الناشطة اليمينية ومديرة منظمة "نيميسيس"، آليس كاردييه، أن عددا كبيرا من ضباط الشرطة يشعرون بانعدام الأمن.وقالت كاردييه للجزيرة نت "يواجه عناصر الأمن الخطر من أشخاص من دعاة التحرر من الاستعمار وجماعات الضغط التي تبقي ضباطا أبرياء في السجن لمجرد قيامهم بواجبهم". وأضافت "نحن جيل يحب شرطته ويدعمها ولن نقبل برؤية نشطاء اليسار المتطرف يحرقون الضباط أحياء أو يعرضونهم للهجوم والضرب".وتُعد الصحة النفسية واحدة من أخطر تداعيات ظروف العمل لدى الشرطة الفرنسية. ويشير تقرير نقابي إلى أن 39% من عناصر الأمن يواجهون حالة من الضيق النفسي المزمن، وأن 65% منهم يتعرضون لتوترات ومواجهات مباشرة مع الشعب.كما تثبت أرقام الانتحار بين صفوف الأمن حجم الأزمة؛ ففي 2019، سجلت أجهزة الشرطة حوالي 50 حالة انتحار بين عناصرها، بزيادة تقدر بـ60% مقارنة بالعام السابق، فيما تجاوز عدد حالات الانتحار بين القوات الأمنية 1100 حالة على مدى 25 عاما، ما يقدر بمعدل 44 انتحارا سنويا.وأشار سيريل بينوا، السكرتير الإقليمي لنقابة "سنيبات"، وهي الاتحاد الوطني المستقل للموظفين الإداريين والفنيين والعلميين في الشرطة الوطنية، إلى الموارد التي يطالب بها الموظفون الإداريون والفنيون والعلميون في قطاع الأمن.وقال بينوا للجزيرة نت "نريد الموارد اللازمة للعمل، وتشمل المعدات الأساسية في مراكز الشرطة، وغرف تبديل الملابس ودورات المياه والحمامات المناسبة، إضافة للملابس، كزيّ العمل الذي يلبي احتياجاتنا".وتابع "نحن بحاجة إلى أمور قد تبدو تافهة، مثل الطابعات النافثة للحبر لأننا نضطر اليوم للركض صعودا ونزولا على الدرج لطباعة المستندات لزملائنا لأن الموجودة لديهم معطلة"، مشيرا إلى ضرورة توفير وسائل النقل وسيارات شرطة جديدة.وضرب بينوا مثالا بفترة دورة الألعاب الأولمبية في باريس عام 2024 عندما تم حظر العُطَل بسبب عدم توفر عدد كاف من الضباط لضمان توفير الأمن والمناوبات الليلية آنذاك.من جانبه، اعتذر المدير العام للأمن الداخلي سابقا، لوران نونيز، عن المشاركة في المسيرة لدعم الشرطة، مبررا ذلك بالقول "أنا وزير الداخلية حاليا وهناك انتخابات نقابية جارية، وأنا ملزم بواجب الحياد. لذا، من البديهي ألا أشارك في المظاهرة بصفتي الشخصية رغم أنني أدعم حركة الشرطة".وأوضح الوزير أنه منذ 2017، تم استحداث ما يزيد عن 12 ألف وظيفة في قوات الأمن الداخلي، وتضاعفت قروض العقارات وتم شراء 19 ألف مركبة جديدة.وأضاف في تصريحات صحفية "لدينا ميزانية أخرى للشرطة الوطنية ستزيد بمقدار 100 مليون يورو، ونعمل على توفير ألف وظيفة إضافية في جهاز الشرطة، بينها 700 وظيفة في السلطة القضائية التي تعاني من نقص في الموظفين".ووفقا لآخر إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية، يُقدر عدد أفراد الشرطة في فرنسا بنحو 150 ألف عنصر ضمن الشرطة الوطنية، بما يشمل رجال الشرطة التقليدية والكوادر الإدارية والتقنية والاحتياطيين، تحت إدارة الوزارة.إضافة إلى ذلك، هناك قوات أخرى تشارك في مهام أمنية مشابهة مثل الدرك الوطني، الذي يعمل في المناطق الريفية (القرى)، ويضم حوالي 100 ألف دركي ـ شرطي، فضلا عن نحو 24 ألف عنصر في الشرطة البلدية.وبينما لم تستجب شريحة واسعة من الناس لدعوة نقابة الشرطة الرئيسية "أليونس"، احتشدت شخصيات سياسية من أقصى اليمين في مسيرة باريس، أمس السبت. وكان بينهم مرشحا حزب التجمع الوطني والاسترداد لمنصب عمدة العاصمة، تيري مارياني وسارة كنافو، إضافة لعضو البرلمان الأوروبي ماريون مارشال.في المقابل، شهدت المسيرة غيابا واضحا للأحزاب اليسارية التي لطالما اعترضت على التمثيل المفرط للأجانب في الجرائم، متهمة الشرطة والقضاء بترسيخ كراهية الأجانب الممنهجة.وقد رفع المتظاهرون لافتات تحمل شعارات مثل "احمونا لنحميكم" و"لا للملاحقة القانونية غير الواضحة"، فيما طالب ممثلو النقابات الأمنية بإصلاحات عاجلة تشمل تحديد إطار قانوني يحمي عناصر الشرطة عند تنفيذ واجباتهم داخل حدود القانون.ورأت الناشطة اليمينية آليس كاردييه، أن الضباط "يواجهون انعدام الأمان في النظام القانوني، لأنهم قد يُسجنون ظلما لمجرد ممارستهم حقهم في الدفاع عن النفس"، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تشجيع الناس على عدم احترام الشرطة، وبالتالي على ممارسة العنف ضدها.وعلى المستوى القانوني، يشعر عدد من العناصر بعدم الحماية الكافية عندما يتدخلون لأداء واجبهم، خاصة في حالات استخدام القوة أو التعامل مع مواقف عنيفة، ما يؤدي إلى إجراءات قضائية طويلة قد تلاحق الشرطي حتى بعد براءته.يُذكر أن الجمعية الوطنية رفضت، يوم 22 يناير/كانون الثاني الماضي، مشروع قانون يهدف للاعتراف بحق الدفاع عن النفس لضباط إنفاذ القانون، والذي طُرِح خلال الجلسة البرلمانية المخصصة لكتلة اليمين الجمهورية.وخلال هذه المناقشات، نجحت الحكومة في تعديل النص ليؤكد على "ليس على حق الدفاع عن النفس، بل على حق استخدام القوة بشكل مشروع"، وهو حق "يمكن دحضه في أي وقت بأي دليل يخالفه".كما قدّم أعضاء اليمين الجمهوري تعديلا لتوسيع نطاق هذا الحق ليشمل ضباط الشرطة البلدية، بناء على طلب اتحادات الشرطة، قبل سحبه.

لماذا لا يملّ الشارع الأوروبي من التظاهر من أجل غزة؟

News

خلافا لكل الرهانات التي تعول على عامل الوقت وبرود العواطف مع طول أمد الحروب، لا يزال الحراك الشعبي في أوروبا يحافظ على زخم الانطلاقة الأولى.مراسلو الجزيرة في مدريد وكوبنهاغن رصدوا تحولا جذريا في دوافع الخروج؛ من التعاطف العاطفي إلى الاشتباك السياسي لرفض التواطؤ العسكري والتجاري. خاصة مع استمرار حكومة الدانمارك في تصدير قطع غيار الطائرات المقاتلة "إف-35" (F-35) التي تشارك في قصف الفلسطينيين، إلى جانب ما اعتبره الإسبان "خداعا رسميا" تَمثل في إبرام الحكومة الإقليمية صفقات تجارية مع إسرائيل في وقت تستمر فيه المجازر. ويفسر مراسل الجزيرة في الدانمارك محمد المدهون سر هذا الصمود الشعبي، مؤكدا أن "الزخم نفسه" الذي شهدته الأيام الأولى للحرب لا يزال يملأ الميادين .ويرى المدهون أن المحرك الأساسي للاستمرار الآن هو "تطهير الضمير"؛ حيث برز انخراط واسع للمواطنين الدانماركيين الذين يرفضون أن تظل حكومتهم شريكة في الجريمة عبر تصدير "قطع غيار" الطائرات المقاتلة إف-35.إذ لم يخرج هؤلاء المحتجون -حسب المدهون-  للتضامن فحسب، بل لإعلان البراءة من "النفاق السياسي" لحكومة تنادي بحقوق الإنسان وتدعم "الإبادة الجماعية" والفصل العنصري في آن واحد، ويرون أن "الاحتجاج لن يتوقف ما لم يتوقف القتل".أما في مدريد، فينقل مراسل الجزيرة أيمن الزبير أن الشارع الإسباني لا يزال يغلي بسبب اكتشاف "اتفاقيات تجارية وعسكرية" سرية وعلنية مع إسرائيل، رغم الوعود بحظر السلاح.ويؤكد الزبير أن المتظاهرين خرجوا الآن بوعيٍ أكثر تحديدا، فهم يلاحقون حكومتهم في البرلمان عبر الأحزاب اليسارية، ويطالبون بقطع العلاقات الدبلوماسية فورا.وأوضح أن الاستمرار في الاحتجاج ليس مجرد شعار، بل هو ملاحقة ميدانية لكل صفقة سلاح أو معدات عسكرية، تحت شعار واحد يتردد في عشرات المدن الإسبانية: "الإبادة مستمرة.. إذن الضغط لن يتوقف".تجيب تقارير المدهون والزبير على سؤال الاستمرارية بأن المتظاهر الأوروبي بات يرى في "صمته" مشاركة فعلية في الجريمة.ووفقا لكلام مراسلَي الجزيرة فإن الشارع الأوروبي انتقل من مرحلة "الحزن على الضحية" إلى مرحلة "محاصرة الشريك"، وهو ما يفسر لماذا لا تزال الميادين تضج بالحياة رغم مرور عامين، ولماذا لم يعد "عامل الوقت" حليفا للاحتلال في وعي الشعوب الأوروبية.وقد شهدت عواصم أوروبية (السويد وهولندا وفنلندا) خروج مسيرات ومظاهرات واسعة أمس إحياء لليوم العالمي للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، عبّر خلالها المشاركون عن دعمهم لقطاع غزة وتنديدهم بما وصفوه بفشل حكوماتهم والمؤسسات الأوروبية في وقف الحرب ومحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها.وكان مكتب الإعلام الحكومي بغزة أصدر أمس السبت بيانا قال فيه إن الاحتلال الإسرائيلي يواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار، مسجلا 1450 انتهاكا أدت إلى استشهاد 524 مواطنا وإصابة 1360 آخرين.وأضاف البيان أنه منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى السبت 31 يناير/كانون الثاني 2026 (أي مدة 111 يوما)، ارتكب الاحتلال خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، معتبرا أنها انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني وتقويض متعمد لجوهر اتفاق التهدئة وبنود البروتوكول الإنساني الملحق به.

قفزات النحاس تشعل أسعار الأدوات الكهربائية والصحية في مصر

News

القاهرة – تشهد أسعار معدن النحاس في مصر ارتفاعا ملحوظا نتيجة مجموعة من العوامل الدولية والمحلية، من أبرزها ارتفاع سعر المعدن في البورصات العالمية، الأمر الذي تسبب في زيادة ملحوظة في أسعار المواد الصحية والكهربائية التي يدخل النحاس في تركيبها، في السوق المصري.ويتراوح سعر كيلو النحاس الأحمر الخردة حاليا في السوق المصري بين 350 جنيها (7.4 دولارات) و430 جنيها (9.1 دولارات) للكيلوغرام، والنحاس الأصفر بين 280 جنيها (قرابة 6 دولارات) و340 جنيها (7.2 دولارات)، فيما سجل النحاس المخلوط سعر بين 280 جنيه (6 دولارات تقريبا) و300 جنيه (6.3 دولارات)، وبلغ سعر طن النحاس الأحمر الخردة حوالي 360 ألف جنيه (7 آلاف و633 دولار) إلى 410 آلاف جنيه (8 آلاف و693 دولار).وبلغ سعر كيلو النحاس الأحمر الصافي 590 جنيها (12.5 دولار)، ويختلف السعر حسب الجودة والنقاء. وللنحاس أهمية كبرى، سواء في السوق المصرية أو العالمية، نظرا لدخوله في الكثير من الصناعات الحيوية والإستراتيجية.وجاء ارتفاع أسعار النحاس خلال الفترة الأخيرة في الأسواق العالمية مدفوعا بزيادة الطلب عليه، ودخوله في عدد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل كابلات الكهرباء والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي. وذكرت وكالة رويترز أن أسعار النحاس زادت بنسبة 40% في العام 2025.وارتفعت أسعار النحاس بأكثر من 30% هذا العام في بورصة لندن للمعادن، مدعومة ببيانات تحليلية متفائلة، في وقت يعاني فيه السوق من اختلال بين العرض والطلب ونقص في المواد الخام على المستوى العالمي.وتسارعت وتيرة صعود أسعار المعدن الأحمر في الأسابيع الأخيرة بسبب مخاوف من تدفق كميات كبيرة من النحاس إلى الولايات المتحدة، استعدادا لفرض رسوم جمركية محتملة العام المقبل، مما أدى إلى انخفاض المخزونات ورفع أسعار النحاس.وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وجه وزارة التجارة بتقديم تقرير محدّث حول أوضاع سوق النحاس الأمريكية بحلول نهاية يونيو/حزيران المقبل، تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن فرض رسوم جمركية على النحاس.وأدى الارتفاع العالمي القياسي في أسعار النحاس (تجاوز 13 ألف دولار للطن) إلى زيادة تكاليف إنتاج الأدوات والكابلات الكهربائية والأدوات الصحية في مصر، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها في السوق المحلية.وتوقع خبراء شعبة المستوردين في مصر ارتفاع أسعار المنتجات النهائية بنسبة 15% إلى 20%، مما يهدد بركود السوق نتيجة تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، مع لجوء بعض المصانع لاستخدام بدائل عن النحاس مثل الألومنيوم.وقال رئيس غرفة البناء باتحاد الغرف الصناعية كمال الدسوقي في مقابلة مع الجزيرة نت إن "المعادن النادرة كلها، سواء الذهب او الفضة أو النحاس، تشهد زيادات متتالية في الأسعار منذ العام الماضي، كما أن الحديد أيضًا في طريقه إلى ارتفاعات في أسعاره".وأوضح الدسوقي أن ارتفاع سعر النحاس أثر بشكل كبير على  صناعة الكابلات والأسلاك الكهربائية، وعلى تكاليف إنتاج جميع الأدوات الصحية التي يدخل النحاس في تصنيعها.وأكد المتحدث نفسه أن الأسواق النشطة تتأقلم مع الأسعار العالمية للمعادن صعودا وهبوطا، لافتًا إلى أن الدول الصناعية الكبرى دخلت في حالة من الصراع للاستحواذ على المعادن الإستراتيجية، وفي مقدمتها الذهب والفضة والنحاس.ويقول عضو غرفة الأدوات الكهربائية بالغرفة التجارية في القاهرة عاطف سمعان إنه رغم أن السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار النحاس هو البورصة العالمية، إلا أن ثمة عوامل وأسباب محلية تسهم بدورها في رفع أسعار النحاس.ويوضح سمعان في تصريح للجزيرة نت أن الرسوم الجمركية المفروضة في مصر على النحاس المستورد، واحتكار بعض التجار لهذا المعدن وإصرارهم على الحصول على هامش ربح مرتفع، كل ذلك زاد العبء على المستهلك.وأكد سمعان أنه يقع على عاتق الدولة الدور الأساسي في توجيه السوق وضبط الأسعار، وذلك عبر دعم المستوردين وتخفيف الرسوم الجمركية وتفعيل الرقابة على التجار، خاصة من يفرضون زيادة كبيرة في أسعار المنتجات الكهربائية والأدوات الصحية، دون مراعاة التوازن في السوق.وأوضح سمعان أن كبرى شركات الكابلات والأسلاك الكهربائية تأثرت بشدة بارتفاع أسعار النحاس، إذ قامت شركة مشهورة بتخفيض نسبة الخصم التي كانت تمنحها للموزعين من 30% إلى 18%.وتوقع سمعان أن تتراوح الزيادة في أسعار المنتجات الكهربائية والأدوات الصحية التي تعتمد في تصنيعها على النحاس بين 15% و40%.وحذر عضو شعبة الأدوات الكهربائية بالغرفة التجارية من تفشي ظاهرة "مصانع بير السلم" (مصانع غير مرخصة)، وفق وصفه، مع ارتفاع أسعار النحاس، إذ تلجأ هذه المصانع إلى ضخ كميات  كبيرة من الكابلات والأسلاك الكهربائية المغشوشة، التي تقل فيها نسبة معدن النحاس، في الأسواق.وأشار إلى أن هذه المنتجات الكهربائية المقلدة تمثل خطرًا كبيرًا على حياة المستهلكين، وقد تسبب حرائق كبيرة نتيجة عدم اتباع معايير الأمان في الكابلات الكهربائية.ويقول عصام الطحاوي وهو تاجر أدوات كهربائية وصحية، إن ارتفاع أسعار النحاس في مصر أثر بشدة على أسعار الكابلات والأسلاك الكهربائية التي تعتمد كليا على النحاس في تصنيعها، باستثناء نسبة صغيرة من البلاستيك، كما تأثرت أسعار الأدوات الصحية، خاصة خلاطات صنابير المياه وأدوات الربط في توصيلات مواسير المياه.وأضاف الطحاوي في تصريح للجزيرة نت أن كل الأدوات المعدنية التي تعتمد على النحاس في تصنيعها، مثل الكوالين (الأقفال المعدنية للأبواب) ومفصلات الأبواب والمقابض، ارتفعت أسعارها.وذكر التاجر أن المعلومات التي يستقيها تجار الأدوات الكهربائية من المصانع والموزعين تفيد بأن جميع أنواع الكابلات والأسلاك الكهربائية ارتفعت بما لا يقل عن 30%، وأضاف أن هناك منتجات من الأدوات الكهربائية والصحية تشهد نقصا حادا في السوق بسبب قلة الإنتاج المطروح من المصانع والموزعين نتيجة الارتفاعات الأخيرة في أسعار النحاس.أما أشرف وهو مدير أحد معارض الأدوات الصحية، فيقول في حديثه للجزيرة نت إن الزيادات في أسعار خلاطات المياه وقطع تركيب وربط المواسير -وكلها تعتمد على النحاس- شهدت زيادة مزدوجة، الأولى هي الزيادة المعتادة في الأسعار مع بداية كل عام، والثانية نتيجة ارتفاع أسعار المعدن محليا وعالميا.وفي السياق نفسه، أوضح أحمد عبد الجواد، رئيس شركة للأدوات الصحية وعضو غرفة الصناعات الهندسية، أن النحاس الأصفر الصناعي المستخدم في الخلاطات ومواسير المياه ارتفع من نحو 330 جنيها (7 دولارات تقريبا) للكيلو إلى أكثر من 410 جنيهات (8.6 دولارات) خلال عام واحد.واضاف عبد الجواد أن هذه الزيادة رفعت تكلفة الإنتاج في قطاع الأدوات الصحية بين 15% و40% حسب نوع المنتج، مشيرا إلى أن بعض الشركات باتت تتحمل جزءا من الزيادات على حساب أرباحها خوفا من فقدان العملاء.

الجزيرة نت ترصد مشاهد التضامن من وسط فيضان القصر الكبير

News

القصر الكبير- أمام محطة القطار بمدخل مدينة القصر الكبير المغربية (شمال)، تقف السيدة نعيمة في طابور طويل، تنتظر الدور للتنقل إلى مدينة أخرى قريبة أكثر أمانا. يملأ وجهها القلق من ترك بيتها في المدينة القديمة، لكنها مصممة على المغادرة، لأنها تعرف أن الوقت ثمين، وأن المياه التي اجتاحت حيها لم تعد مجرد تهديد عابر.وتعرف المدينة حالة تأهب مع تطويق أحياء كاملة بمتاريس حديدية، ووجود سيارات الإسعاف والقوى الأمنية في مداخل المدينة ومخارجها، تحاول تنظيم حركة السكان وتخفيف الذعر.حول نعيمة، يتحرك متطوعون يوجهون كبار السن، ويساعدون الأطفال، وينقلون أمتعة الأسر الضرورية، في مشهد يختصر حجم الأزمة والتضامن في آن واحد. تتوزع الهمسات بين من يستنجد ومن يطمئن، في بادرة تعكس روح التضامن التي سادت المدينة منذ الساعات الأولى.تتذكر نعيمة الساعات الأولى من الفيضان، حين بدأت المياه تتسلل إلى الشوارع وتغمر المنازل منخفضة الارتفاع، وتقول للجزيرة نت عبارة مؤثرة "القصر الكبير كبير بناسه". وتضيف "أتوجه إلى مدينة أصيلة في انتظار مرور هذه الأزمة التي لم نكن نتوقعها. كانت الشوارع تتحول إلى أنهار صغيرة، وأصوات استغاثات الجيران تملأ المكان، لكنّ رؤية المتطوعين وهم يحاولون النجدة أعطتني شعورا بالأمان وسط الخوف".يذكر عدد من سكان المدينة كيف حوصرت أحياء بكاملها وارتفع منسوب الماء بسرعة غير متوقعة. في تلك اللحظات، لم يكن هناك وقت للتردد، فكان التدخل الفوري ضرورة لحماية الأسر.يصف محمد بريطل، أحد المتطوعين من سكان المدينة، للجزيرة نت، اللحظات الأولى، قائلا "وجدت نفسي رفقة إخواني وأخواتي في الجمعيات التي أعمل بها، منخرطين تلقائيا في العمل بما نستطيع من توعية، واتصالات".وقام محمد ومن معه بتفقد لكل من يعرفون ومن لا يعرفون عبر الهاتف والواتساب، كانوا يقضون الليل متسمرين أمام شاشات الهواتف، يلبون نداء بعض الناس، ويشاركون في إجلاء بعض الأسر ونقلهم إلى أماكن يرغبون فيها.ويضيف "كانت مشاهد العائلات المحاصرة مؤلمة للغاية، خاصة الأطفال وكبار السن، وكان كل منا يحاول أن يكون يد العون، ولو بكوب ماء أو بطانية أو كلمة طمأنة".بعد الساعات الأولى من الفيضان واتضاح الصورة أكثر بدأت الحاجة للإيواء المؤقت تتزايد. في البداية، فتحت الجمعيات والمتطوعون بيوتهم لاستقبال المتضررين، قبل أن يكتشف الجميع أن إخلاء كل الأحياء المهددة قادم لا محالة.توضح المحامية نجوى الشيبة حجم المبادرات الإنسانية: "شهدت مدينة القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة إطلاق عدد من المبادرات الإنسانية لفائدة الأسر المتضررة من الفيضانات (هدفها) توفير الإيواء المؤقت، والمواد الغذائية، والدعم الأساسي في ظل الظروف الاستثنائية".وتضيف في حديث للجزيرة نت أن متطوعين وناشطين في المجتمع المدني  شاركوا في هذه الجهود، إلى جانب مبادرات فردية، مما أسهم في التخفيف من معاناة المتضررين وتعزيز قيم التضامن والتكافل الاجتماعي.وتهدف إحدى المبادرات التي تشارك فيها نجوى إلى إيواء 100 من المتضررين مع التكفل بتغذيتهم إلى حين تجاوز الأزمة.كما شهدت بعض المراكز المخصصة للإيواء لحظات من التواصل الاجتماعي بين الأسر، حيث تبادل السكان الخبرات، وتشاركوا في إعداد وجبات الطعام، وأشرف الأطفال على أنشطتهم البسيطة، في مشهد يذكر أن التضامن لا يقتصر على توفير المأوى بل يشمل الطمأنة والدعم النفسي أيضا.شكل النقل تحديا مزدوجا للمتطوعين، بين الوصول إلى المتضررين العالقين داخل المدينة، ونقلهم إلى مراكز آمنة في مدن أخرى.وقاد شباب وجمعيات محلية مبادرات تطوعية عبر مركباتهم الفردية، بينما كانت السلطات توفر بعض الحافلات الخاصة بالإجلاء الطارئ.تروي نوال الفيلالي، رئيسة جمعية محلية في طنجة، للجزيرة نت "من أمس إلى اليوم (الأحد)، أجلينا أكثر من 2480 شخصا، عبر 125 وسيلة نقل بين طنجة، أصيلة، والعرائش. واليوم زدنا الرباط ومكناس، ونخطط لاستخدام 150 وسيلة نقل إضافية. كل رحلة كانت مليئة بالقصص، البعض يحكي صعوبة مغادرة المدينة، والآخر يشكر على مجرد السماح له بالتحرك إلى مكان آمن".توفير المؤونة وتلبية الاحتياجات الأساسية أمر بالغ الأهمية، خاصة مع انقطاع الكهرباء في معظم أحياء المدينة وصعوبة الوصول إلى الأسواق.ورصدت الجزيرة نت كيف نظم بعض التجار المحليين توزيع الخبز بطريقة عادلة لتجنب احتكاره، فيما أسهم المتطوعون والجمعيات في توزيع المواد الغذائية على الأسر المتضررة، في تعبير حي عن التضامن المجتمعي.كما أصبح تنظيم الطعام والماء جزءا من الروتين اليومي الطارئ لكل متطوع، حيث كان الجميع يحرص على وصول المؤونة لكل الأسر دون تمييز.ولم يختبر الفيضان المدينة من حيث البنية التحتية فقط، بل أيضا من حيث قدرتها على الصمود الاجتماعي. غالبية السكان شاركوا، كل حسب استطاعته؛ بالمساعدة المباشرة والتبرعات حينا، وبفتح بيوتهم، أو دعم زملائهم المتطوعين أحايين أخرى.يقول محمد بريطل "أشهد أن غالبية ساكنة القصر الكبير ساهمت بشكل أو بآخر في المساعدة والتعاون، كل من موقعه وحسب قدرته واستطاعته، منهم من وثق ومنهم من لم يوثق".وتُواصل المدينة حالة التأهب القصوى. وتعمل السلطات المحلية على إخلاء المزيد من الأحياء، فيما المياه ما زالت تهدد بعض الشوارع المنخفضة، بعد أخبار عن تساقطات مهمة خلال الأيام المقبلة.

الرئيس الصيني يدعو إلى "عملة قوية".. هل يهدد اليوان عرش الدولار؟

News

دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أن يكون اليوان (الرنمينبي) عملة للاحتياطيات النقدية العالمية، الأمر الذي يعكس طموحه لأن تلعب الصين دورا أكبر في النظام النقدي الدولي.ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية الأحد عن الرئيس الصيني قوله، في تعليق كتبه في صحيفة ""تشيوشي"، أبرز الصحف التابعة للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، إن الصين بحاجة إلى "عملة قوية يمكن استخدامها على نطاق واسع في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق صرف العملات، وتحظى بمكانة العملة الاحتياطية".وأوضحت الصحيفة البريطانية أن القيادة الصينية تتطلع منذ فترة لتداول اليوان على المستوى الدولي، لكن تصريحات الرئيس الصيني الأخيرة تبرز سعيه إلى وجود "عملة قوية"، علاوة على الحاجة إلى مؤسسات مالية لمساندتها على المستوى الدولي.وتناول الرئيس شي في تعليقه المؤسسات المالية اللازمة لدور دولي أكبر لليوان، ومن بينها "بنك مركزي قوي، ومؤسسات مالية عالمية قادرة على المنافسة، ومراكز مالية دولية قادرة على جذب رؤوس الأموال الدولية والقدرة على التأثير على الأسعار العالمية ".يأتي نشر هذه التعليقات من جانب الزعيم الصيني في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من الاضطراب، والتي انعكست على تراجع أسعار الذهب والفضة بشكل حاد الجمعة بعد ارتفاعها لمستويات قياسية في الأشهر القليلة الماضية.كما تأتي بعد أيام من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال فيها إنه لا يشعر بالقلق من تراجع سعر صرف الدولار، ووصف أداء العملة الأمريكية بأنه "رائع"، الأمر الذي اعتبره محللون إشارة إلى أن واشنطن ربما ترى في انخفاض قيمة الدولار وسيلة لدعم الصادرات الأمريكية.ونقلت "فايننشال تايمز" عن كيلفن لام، كبير الاقتصاديين المختصين بشؤون الصين في مركز "بانثيون ماكروإيكونوميكس" قوله إن الصين "تشعر بتغير النظام العالمي بشكل أكبر"، مضيفا أن تركيز الزعيم الصيني على اليوان يعكس "الاضطرابات الأخيرة في النظام العالمي".وأشارت الصحيفة نفسها إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية القائمة حاليا دفعت بنوكا مركزية حول العالم لإعادة النظر في "انكشافها على الأصول الدولارية"، نظرا لاعتمادها على الدولار كعملة أساسية للاحتياطي النقدي.وتراجع دور الدولار كعملة للاحتياطيات الدولية في الربع الثالث من عام 2025، وفق آخر البيانات المتاحة من صندوق القد الدولي، لتبلغ حوالي 57% من الاحتياطيات العالمية، فيما كانت تمثل 71% من هذه الاحتياطيات في عام 2000.ويأتي اليورو في المرتبة الثانية كعملة للاحتياطيات الدولية، بنسبة 20% منها، وفق إحصائيات صندوق النقد الدولي، فيما بلغت نسبة الاحتياطيات من اليوان 1.93% فقط، هذا على الرغم من أن الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.ويرى محللون، وفق فايننشال تايمز، أن قابلية اليوان للتحويل إلى عملات أخرى دون قيود هو شرط ضروري لكي تقبل عليه البنوك المركزية كعملة للاحتياطيات.وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في تقرير سابق إلى أن بكين تعمل على تحقيق التوازن بين هدفين: الأول هو سعيها لأن يكون اليوان قويا، بهدف دعم الدور الذي يقوم به على المستوى الدولي كعملة للمبادلات والاحتياطيات، والثاني هو عدم ارتفاع سعر صرف اليوان بشكل يزيد من أسعار السلع الصينية، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب عليها في الأسواق.وتتصدر الصين قائمة الدول الأكثر تصديرا في العالم، حيث حققت فائضا في ميزانها التجاري بلغ 1.2 تريليون دولار في العام الماضي.وأضافت الصحيفة الأمريكية أن ترمب يرى أن اليوان مقوم بأقل من قيمته، ما يجعل البضائع الصينية أقل سعر، الأمر الذي ساهم في الفائض التجاري الهائل الذي حققته الصين، والذي وصفته الصحيفة بأنه "عدم توازن عالمي يثير قلق بعض الحكومات حول العالم".ويرى محللون أن بكين ربما ترفع سعر صرف اليوان قليلا خلال عام 2026، لكنها "تدير اليوان بحذر شديد"، وفق ما نقلته الصحيفة عن تومي شي رئيس قسم أبحاث الصين في بنك "أو سي بي سي" الصيني.

"هدنة الطاقة" بين كييف وموسكو.. استراحة حرب أم خطوة نحو النهاية؟

News

كييف- بعد إعلان موسكو يوم 29 يناير/كانون الثاني الماضي أنها لن تستهدف قطاع الطاقة في أوكرانيا حتى الأول من فبراير/شباط الجاري، ثم إعلان كييف أنها ستستجيب بالمثل، تنفّس الأوكرانيون الصعداء، في ظل تهديدات كبيرة متكررة، وانقطاعات طويلة لإمدادات الكهرباء والمياه والتدفئة، ناجمة عن ضربات روسية أرهقتهم، وتزامنت مع موجة برد شديد تجتاح البلاد منذ أسابيع.ورغم العجز المستمر عن توليد كل ما تحتاجه البلاد من كهرباء، فإن أياما قليلة من الهدوء كانت كافية لعودة الاستقرار النسبي للحياة وجداول الانقطاعات، بعد أن كانت طويلة لدرجة تؤدي إلى قطع الاتصالات، ووقف عمل كثير من المتاجر والمحلات ووسائل النقل.وعلى عكس "الهدن السابقة"، أقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه المرة بأن روسيا كفّت فعلا عن استهداف هذا القطاع، مركزة خلال الأيام الماضية على ضرب المواقع اللوجستية وطرق الإمداد.وألمح كذلك إلى أن الهدنة قد تستمر عدة أيام أخرى، حتى موعد انعقاد الجولة الجديدة من المفاوضات في أبو ظبي، المقررة في الرابع والخامس من فبراير/شباط الجاري، واعتبر أن الهدنة فرصة لتقدير حجم جميع الخسائر التي تعرضت لها أوكرانيا في مجال الطاقة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه بسرعة.وتفاءل الأوكرانيون بكل هذه المؤشرات كما لم يحدث من قبل، لدرجة أن مبيعات وسائل الطاقة البديلة (البطاريات والمولدات ومحطات الشحن وغيرها) تراجعت بشدة وانخفضت أسعارها فجأة، بعد أن ارتفعت أسعارها إلى مستويات قياسية، وتصدرت قائمة المبيعات في الأسواق والمتاجر.حتى إن نسبة كبيرة من الأوكرانيين (وصلت إلى 70% في كييف ومناطق غرب البلاد) تراجعت عن عمليات الحجز والشراء، أملا في أن تكون الهدنة بداية لنهاية أزمة الطاقة في البلاد على الأقل.وعلى المستويات السياسية والتحليلية، ينظر مراقبون إلى توقيت الهدنة على أنه مؤشر إيجابي "لافت" يصدر عن روسيا، وقد يكون خطوة بالفعل نحو تسوية تنهي المرحلة الساخنة من الحرب بأكملها.وقال الخبير الاقتصادي سيرهي فورسا "أعتقد أن الهدنة لم تكن مبادرة من موسكو، بل استجابة منها لضغوط أمريكية؛ ولكنها خطوة ومؤشر لافت، قد يعني أيضا أن المفاوضات بدأت تسير نحو حل يؤدي إلى تجميد الحرب أو وقفها".وأضاف للجزيرة نت أنه "عندما يعلن الروس هذا الأمر بعد مفاوضات أبو ظبي الماضية، فهم يبعثون رسائل إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أيضا، حتى لا يزعجوه أكثر، فيفقد الأمل ويفرض عقوبات جديدة على موسكو ويزيد الدعم لكييف".لكنّ خبراء آخرين يرون أن موسكو باتت مضطرة لعقد هدنة مع كييف في مجال الطاقة، وليس فقط لأنها تخشى مزيدا من العقوبات الغربية والأمريكية عليها.وقال خبير مركز رازومكوف للدراسات، أوليكسي ميلنيك، للجزيرة نت "لا تختلف هذه الهدنة عن تلك التي طرحت مرارا في 2023، لكنها في ذلك الوقت لم تكن مفيدة بالنسبة لروسيا".وأوضح أن "روسيا -حينها- رأت أن كفة الفوائد الناجمة عن ضرب مواقع الطاقة في أوكرانيا ترجح على كفة الأضرار اللاحقة بالمصافي الروسية، لكن الحال تغيرت في 2025، فالضربات الأوكرانية زادت كمّا ونوعا، وأضرت بأهم قطاع يمول الحرب".وأضاف أن "صادرات النفط الروسية تراجعت بواقع 20% على الأقل، في إطار ما نسميها في أوكرانيا عقوبات بودانوف (نسبة إلى رئيس دائرة الاستخبارات العسكرية السابق، والمدير الحالي لمكتب الرئاسة، كيريلو بودانوف)".ورأى البعض أن موسكو تستغل التوقيت، وتتصنع بهذه الهدنة خطوات ونيات صادقة نحو سلام لا تريده، لأنها -ببساطة- فقدت بنك الأهداف المتعلقة بقطاع الطاقة.من جهته، قال مدير مركز الشفافية في أوكرانيا أندري ماروسوف: "لا يخفى على أحد -وقد قالها زيلينسكي ومسؤولون آخرون- أن روسيا قصفت كل محطات التوليد والتحويل في أوكرانيا، ولم يبق لدينا إلا 3 محطات نووية نعتمد عليها لتوليد 70-85% من حاجة البلاد، التي تشهد عجزا يصل إلى 4-6 غيغاواط في بعض الأيام".وأضاف -للجزيرة نت- "من ثم، لن تستطيع روسيا فعل الأسوأ، وبرد الشتاء الذي استغلته لزيادة التأثير شارف على النهاية؛ لقد انتقلت إلى أهداف أخرى، متصنعة رغبة زائفة في السلام بعد مفاوضات أبو ظبي الأولى".وختم ماروسوف بالقول: "أعتقد أن في الهدنة استراحة حرب، وأن مشهد قصف المحطات سيعود بعد إصلاحها. لو كانت نيات الروس صادقة لاستجابوا إلى دعوات وقف شامل لإطلاق النار، بدلا من هذا الوقف المحدود والمؤقت".

ستارمر يدعو لشراكة دفاعية أقوى بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي

News

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن حكومته ستدرس التقدم بطلب للانضمام إلى صندوق تابع للاتحاد الأوروبي لمشاريع الدفاع، وذلك في وقت يستعد فيه وزراء بريطانيون لإجراء محادثات مع نظرائهم في الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع.وأكد ستارمر أنه يتعين بذل "مزيد من الجهود" مع الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع، في الوقت الذي تسعى ‍فيه أوروبا لتعزيز دفاعاتها بسبب مخاوفها المتزايدة من روسيا، وشكوكها بشأن التزامات الولايات المتحدة الأمنية تجاه القارة في عهد الرئيس الأمريكي ‍دونالد ترمب.وأبدى رئيس الوزراء العمالي انفتاحه على استكشاف الآفاق لتعاون أوثق مع الاتحاد الأوروبي، وقال "أعتقد أنه يتعين على الجانبين بذل مزيد من الجهود على صعيد الإنفاق والقدرات والتعاون".وكان الأوروبيون -منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022- قد سارعوا إلى تدعيم قواتهم المسلحة، وأطلقت بروكسل مبادرة "سايف" في معرض الاستجابة لذلك، وهي خطة تمكن الدول الأعضاء من الحصول على قروض أقل تكلفة، مدعومة من الميزانية المركزية للاتحاد الأوروبي.وقد انهارت خطة بريطانية العام الماضي للانضمام إلى تلك المبادرة والمشاركة في الصندوق الأصلي البالغ 150 مليار يورو بعد رفض حكومة ستارمر دفع مساهمة مالية للانضمام، مما مثل انتكاسة لإعادة ضبط العلاقات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.وردّا على سؤال -وُجه إليه وهو في طريقه إلى الصين الأسبوع الماضي- حول ما إن كانت بريطانيا ستسعى للانضمام إلى النسخة ‌الجديدة من البرنامج، قال ستارمر إن على أوروبا بذل المزيد من الجهود لإعادة التسلح، وأضاف "هذا يتطلب منا ‌النظر في برامج مثل العمل الأمني من أجل أوروبا، وغيرها لمعرفة ما إن كانت ‌هناك طريقة يمكننا من خلالها تعزيز العمل معا".وأوضح ستارمر أنه "سواء كان هذا في إطار ذلك البرنامج أو مبادرات أخرى، فمن المنطقي أن تعمل أوروبا ‌على نحو أكثر شمولا، أي الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأخرى، بشكل أوثق معا".وفي هذا السياق، من المقرر أن يزور مفوّض التجارة في الاتحاد الأوروبي ماروش سيفكوفيتش لندن اليوم الاثنين للقاء عدد من الوزراء البريطانيين، تمهيدا لقمة ثنائية من المقرر أن تعقد هذا العام.وأبرمت لندن وبروكسل اتفاقية شراكة إستراتيجية في مايو/أيار الماضي تضمنت اتفاقا لتعزيز التعاون الدفاعي، إضافة إلى إجراءات لتعزيز التجارة، إلا أن ستارمر استبعد عودة بريطانيا إلى الاتحاد الجمركي للتكتل، مفضلا إقامة علاقات أوثق مع سوقه الموحدة.

وثائق إبستين تكشف عن نقاشات بشأن خليفة لبوتين

News

كشفت وثائق جديدة -نشرتها وزارة العدل الأمريكية وتتعلق بالملياردير جيفري إبستين– عن نقاشات جرت بشأن الشخصية التي قد تعدّ خليفة محتملا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حكم البلاد.وتفيد وثيقة مؤرخة بتاريخ 11 يناير/كانون الثاني 2012 بأن إيليا بونوماريف -الذي كان آنذاك عضوا في مجلس الدوما الروسي- يعدّ من "المنظمين الرئيسيين للاحتجاجات ضد رئيس الدولة".وجاء في الوثيقة "إذا لم يقتل بونوماريف، فقد يتولى مكان بوتين ويصبح هو الرئيس عاجلا أم آجلا".وكان بونوماريف البرلماني الروسي الوحيد الذي صوّت ضد ضم بلاده لجزيرة القرم، قبل أن يفر إلى أوكرانيا حيث حصل في يونيو/حزيران 2016 على تصريح إقامة فيها، ثم حصل على الجنسية الأوكرانية عام 2019 بحسب وسائل إعلام روسية، بينما يوجد في روسيا العديد من الدعاوى القضائية المرفوعة ضده.وفي سياق متصل، ورد اسم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أيضا في وثائق إبستين، حيث تورد إحدى رسائل البريد الإلكتروني -التي تلقاها الأخير عام 2019- أن "زيلينسكي يطلب المساعدة، وبوتين يتصرف بازدراء تجاهه، ويقول إن زيلينسكي يُدار من قبل الإسرائيليين".يذكر أن تود بلانش نائب وزير العدل الأمريكي أعلن الجمعة نشر أكثر من 3 ملايين ملف جديد للرأي العام، ضمن التحقيقات المتعلقة بإبستين، رجل الأعمال الأمريكي المتهم بإدارة شبكة واسعة كانت تمارس الاستغلال الجنسي للقاصرات، ووجد ميتا في السجن بنيويورك عام 2019 أثناء احتجازه.

في اجتماع مغلق.. واشنطن وتل أبيب تبحثان الخيارات العسكرية ضد إيران

News

تشهد التحركات العسكرية والسياسية الأمريكية الإسرائيلية تسارعا لافتا في ظل تصاعد التوتر مع إيران، وذلك عقب زيارة لرئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، إلى واشنطن، حيث أجرى لقاءات مكثفة ومغلقة مع كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين.وقالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية إن زيارة زامير جرت نهاية الأسبوع الماضي، قبل أن تسمح الرقابة العسكرية بنشر تفاصيلها، مشيرة إلى أن المحادثات تناولت، عدة ملفات من بينها احتمال تنفيذ هجوم أمريكي ضد إيران، في ظل تقديرات إسرائيلية بتطور قدرات طهران العسكرية.وفي وقت سابق الأحد، نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن زامير تقديره بأن الولايات المتحدة قد تشن هجوما على إيران خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وشهرين، في حال فشل المساعي السياسية الجارية.وبالتوازي، أفاد موقع "والا" العبري بأن إسرائيل قدمت للإدارة الأمريكية خلال الأيام الأخيرة معلومات استخبارية وصفتها بـ"الحساسة"، تتعلق بما تقول إنه مساع إيرانية لإعادة بناء قدرات عسكرية، وخصوصا في مجال إنتاج الصواريخ الباليستية، التي تعدها تل أبيب تهديدا إستراتيجيا مباشرا.ونقلت هيئة البث عن مسؤول عسكري إسرائيلي -لم تسمه- قوله إن إسرائيل "لا تستطيع التعايش مع امتلاك إيران قدرات صاروخية باليستية متقدمة"، معتبرا أن أي ضربة عسكرية فعالة يجب أن تستهدف منظومات الإطلاق، إلى جانب المنشآت النووية.وذكرت الهيئة أن لقاءات واشنطن عقدت بمشاركة عدد من كبار القادة العسكريين الإسرائيليين، من بينهم قائد سلاح الجو المعين عومر تيشلر، ورئيس شعبة العمليات في الاستخبارات العسكرية ماني ليبرتي.وأضافت أن زامير عقد، فور عودته، اجتماعا مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس، لبحث آخر التطورات ومستوى الجاهزية العسكرية.في المقابل، قال مسؤولان أمريكيان لوكالة "رويترز" إن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، عقد اجتماعا مغلقا مع نظيره الإسرائيلي داخل وزارة الحرب الأمريكية "البنتاغون" يوم الجمعة، دون الكشف عن تفاصيل المحادثات، في وقت عززت فيه واشنطن وجودها البحري ورفعت مستوى دفاعاتها الجوية في الشرق الأوسط.وعلى الصعيد السياسي، أفادت القناة الـ12 الإسرائيلية بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة– عقد اجتماعا أمنيا رفيع المستوى، ضم وزير الدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات "الموساد" ورئيس هيئة الأركان، لمناقشة التصعيد المتواصل في المنطقة والملف الإيراني، عقب محادثات زامير في واشنطن.وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط متزايدة تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران، التي تحذر بدورها من أن أي هجوم عليها قد يشعل صراعا إقليميا واسعا، مؤكدة أن التهديدات لا تقتصر على ملفها النووي، بل تشمل أيضا قدراتها الدفاعية والصاروخية.وعلى الصعيد الدبلوماسي، أفادت مصادر "أكسيوس" بأن قطر وتركيا ومصر تعمل على ترتيب اجتماع في أنقرة بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار، في حين لا تزال إدارة دونالد ترمب منفتحة على حل دبلوماسي مع إيران، لكنها تواجه شكوكا حول ما إذا كان المرشد الإيراني علي خامنئي سيوافق على أي اتفاق مقبول للولايات المتحدة.وكانت المنطقة قد شهدت في يونيو/حزيران 2025 مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل بدعم أمريكي، انتهت بوقف لإطلاق النار بعد أيام من تبادل الضربات، في محطة لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي الراهن.

أمريكا تعسكر قرب هرمز وإيران أخذت القرار بضرب كل الجبهات

News

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا وسياسيا متسارعا في ظل تزايد الحشود الأمريكية مقابل تحذيرات إيرانية من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة إقليمية واسعة.وكشفت وول ستريت جورنال -نقلا عن مسؤول في البحرية الأمريكية- أن الولايات المتحدة تمتلك حاليا 8 مدمرات حربية ضمن نطاق إسقاط الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيّرة، بينها مدمرتان قرب مضيق هرمز، و3 مدمرات في شمال بحر العرب، وواحدة قرب إسرائيل في البحر الأحمر، إضافة إلى مدمرتين في شرق البحر الأبيض المتوسط.وفي السياق ذاته، أفادت الصحيفة -نقلا عن مسؤولين دفاعيين وبيانات رسمية- بأن الجيش الأمريكي يمتلك بالفعل منظومات دفاع جوي في المنطقة، غير أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) قررت نشر بطارية إضافية من منظومة "ثاد" إلى جانب أنظمة "باتريوت"، لتعزيز حماية القواعد التي تتمركز فيها القوات الأمريكية في دول الشرق الأوسط، بما في ذلك الأردن والكويت والبحرين والسعودية وقطر.في المقابل، نقلت واشنطن بوست عن مصادر مطلعة أن إيران أبلغت حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بأنها لا تزال قادرة على تنفيذ هجمات مميتة في الخليج، محذّرة من أن أي ضربات محتملة هذه المرة ربما لا تكون محسوبة أو معلنة مسبقا كما حدث في عملية استهداف قاعدة العديد.وتضيف أنه وفق تقييم لحليف خليجي لواشنطن، فإن طهران لا تزال تحتفظ بذخائرها قصيرة المدى ومنصات إطلاقها، إضافة إلى بعض عناصر منظومة إنتاج الصواريخ، وهي ذخائر قادرة على الوصول إلى المصالح الأمريكية في الخليج، بما يشمل أكثر من 12 قاعدة عسكرية وعشرات الآلاف من الجنود.كما نقلت الصحيفة عن دبلوماسي إيراني سابق أن طهران ضاعفت إنتاج الصواريخ منذ ما يُعرف بـ"حرب الـ12 يوما"، وحققت تقدما ملحوظا في إصلاح منصات الإطلاق المتضررة، إضافة إلى نقل بعض منصات الصواريخ إلى مناطق جبلية يصعب استهدافها.ونقلت عن مسؤول أوروبي قوله إن القيادة الإيرانية وحّدت صفوفها بالكامل بعد القمع العنيف للاحتجاجات الداخلية، وإن الخلافات داخل مراكز القرار جرى تجاوزها في مواجهة ما تعتبرها طهران تهديدات أمريكية، مؤكدا أن الرسائل الواردة من مصادره داخل إيران باتت واضحة: "نحن مستعدون لحرب شاملة".وفي هذا الإطار، حذّر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من أن أي حرب تشعلها الولايات المتحدة ضد إيران ستتحول إلى حرب إقليمية، مؤكدا أن الشعب الإيراني لا يخاف من التهديدات أو استعراض القوة.وقال خامنئي، خلال لقائه حشدا جماهيريا في حسينية الإمام الخميني في طهران، إن الحديث الأمريكي المتكرر عن الحرب والطائرات والسفن "ليس جديدا"، مشيرا إلى أن واشنطن لطالما تحدثت عن أن "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة"، بما فيها خيار الحرب.وأضاف أن إيران لن تكون البادئة بأي هجوم ولن تعتدي على أي دولة، لكنها ستوجه "ضربة قوية" لأي طرف يحاول إيذاءها.من جانبه، أكد أحمد وحيدي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني أن جاهزية القوات المسلحة الإيرانية باتت أعلى مما كانت عليه قبل حرب الـ12 يوما، مشيرا إلى أن طهران تراقب تحركات خصومها بدقة.واعتبر وحيدي أن الوجود المكثف للأساطيل الأجنبية في المنطقة يندرج في إطار "الحرب النفسية"، مضيفا أنه من غير المرجح أن يُقدم الأعداء على "حماقة جديدة" عبر اختبار أساليب سبق أن فشلت.وشدد في الوقت نفسه على ضرورة ألا تتأثر شؤون البلاد بالدعاية أو الأجواء النفسية، داعيا إلى استمرار العمل بقوة وكفاءة في مختلف المجالات.

ماذا قال المهندس القسامي بعد 23 عاما في السجن؟

News

بدت الطاولة الصغيرة لوحةً فنيّة تُشكِّلها ألوان الأطباق الصغيرة الموزّعة عليها باحترافية؛ فالإفطار التركي يقوم على الاستعراض. من قائمة الطعام في مطعم إسطنبوليّ مشهور بوجبة الإفطار، طلبتُ إفطارا لشخصين، ولكنه حين جاء كان يكفي لإطعام فريق كرة قدم يمارس حمية خاصة.صحون زيتون أسود وأخضر لامعة كأنها نجت للتو من معصرة، جبن أبيض يتكسّر على طرف الشوكة في صحن كبير يجمع أنواعًا أخرى من الأجبان، وشرائح خيار وطماطم مُبلّلة بزيت عفرين، و6 أنواع من المربّى موزعة في أطباق مجهريّة، لم أعرف منها سوى اثنين: مربى الفراولة والمشمش، وطبق عسلٍ إلى جانب قشطة طازجة كثيفة ينتظران شرطهما الوحيد: سِميطٌ ساخن.مددتُ يدي لأصبّ لمحمود شريتح الشاي، لنشرع في ممارسة طقس سلطانيّ خرج من قصور العثمانيين لكل بيوت الأتراك.قال بهدوء: "لا، أنا ما بشربش شاي".توقفتُ وتلفّت حولي خشية أن يسمعنا أحد من الأتراك، مَن هذا الشخص الذي يعيش في هذه المدينة ولا يدخلها من بوابة الشاي. ابتسمتُ، وقلتُ مازحا: "يعني الشاي التركي ما أقنعك؟".هزّ رأسه، كمَن يعتذر للشاي لا لي: "تعوّدت على الشاي الفلسطيني!".لم أستتم محاولة تسويق الشاي التركي لهذا المستخدم الجديد حتى قاطعتنا النادلة: "كيف تُفضِّلان البيض؟"، وبدأت تسرد قائمة من الخيارات التي ترجمتها بكل كفاءة لضيفي، فحصيلتي من اللغة التركية بعد سنوات من العيش في إسطنبول تكفيني لتدبير أموري في مطاعمها، ومشاتمة سائقي التاكسي النزقين إذا لزم الأمر، ليس أكثر.أمام طوفان من الخيارات والإضافات، قال لي بكل أدب: "البيض البسيط أحسن عندي".. "اجعليه بيض عيون" قلتُ لها.كان الطعام طيِّبا، أخذت يدي تقفز من طبق إلى طبق، وأنا أقول له: "لقد انتهت سنوات الحرمان، أصب من هذه الطيبات".راقبتُ يده وهي تلتقط لقمةً صغيرة، ثم تعود إلى مكانها، بدون شراهة أو رغبة في ترف، زهدٌ خفيٌّ غير معلن.لم يأخذ من الطعام إلا ما يألفه السجين. كانت علاقته بالطعام لا تقوم على الذائقة، بل على سياسة للنجاة: لا تُكثر من الأشياء حولك كي لا تُكثر القيود.قلت لنفسي -وأنا أتأمل سلوكه المقتصد، بفمٍ ملآن-: "هذا رجل يتعامل مع اللذائذ كما يتعامل مسافر مع حقيبته، كلما ملأها مستكثرا مما يظن أنه يوفر له رفاهية أكبر، أصبح الطريق أصعب وأكثر مشقة معها".أخرجتُ جهاز التسجيل ووضعته على الطاولة بقرب طبق الزيتون: "آسف على التسجيل، لا أحب أن أذكّرك بالتحقيق، لكنه سيسهّل عليّ عملي لاحقا حين أعود إليه".ابتسم وقال: "لا تقلق، تسجيل المحقّق ما بتشوفه".كانت ورقة الأسئلة التي حضّرتها قبل اللقاء في مرمى نظري، لكني انصرفتُ عنها، وأردتُ أن أختبر الخلاصة التي انتهيت إليها قبل أن أبدأ الحوار بمجرد مراقبة سلوكه الاقتصادي في الخيارات على طاولة الطعام."لقد صحبتَ كثيرا من الاستشهاديين في الانتفاضة الثانية، كيف تصقل صحبة مَن يذهبون إلى موتهم بإرادتهم مفهوم الإنسان عن الحياة؟".توقفت يده على الطبق، وقال: "بالتأكيد أن صحبة أولئك تصقل نظرتك عن الحياة. في المقاومة هناك أشخاص يعملون في التصنيع، وأشخاص يحترفون السياسة، وآخرون في التربية، وجميعهم قلما يعايشون هذه الخامة من البشر، أولئك الذين عقدوا الصفقة مع الله، وأشرفوا على شواطئ الغيب واستعدوا للآخرة".ثم سكت لحظة، كأنه يفتش في ذاكرته عن صورةٍ بعينها لا عن فكرة.وقال: "بتذكّر يوم كنت أمشي مع أحد الإخوة رحمه الله.. استشهادي.. كان وقتها عندي كاسيتين (=شريطيّ تسجيل) -أظن لمحمد حسان- في وصف الجنة. سمعتهما بالأمس. قلت له: أنا أمس كنت أسمع كذا وكذا… قال: حدّثني".كانت نظراته تخترقني وهو يحكي، كأنه يرى الطريق الذي كان يمشيه."بدأت أحدثه ونحن نسير، حتى انتهى الطريق وصار بدنا نفترق.. سكتُّ لأودّعه.. قال لي: أكمل! قلت له: خلصت.. الطريق خلص.. بدنا نفترق. قال: احكي كمان، فاستأنفت الحديث".توقّف قليلا، ثم قال الجملة التي ظلّت تطنّ في أذني مثل ملعقةٍ وقعت على أرض مطعم:"حين نظرت إلى وجهه وأنا أبحث عن موقع كلامي منه، قلتُ: سبحان الله! أنا أتحدث عن الجنة، بس يبدو إنه كان هناك.. كان يعيشها"."هؤلاء فعلا يتركون أثرًا في تفكيرك، وفي نظرتك لكثير من الأمور"."لكن الناس أحيانا تتخيّل الاستشهادي وكأنه يعاني من عُقَد مع الحياة، ولذلك يختار إنهاءها، فكيف يصبح مصدرا للإلهام؟"، قلت له وأنا أظن أنه سيزعجه السؤال.لم يغضب أو يرفع صوته، فقط أزاح الفكرة بيدٍ واحدة، كما يزيح الفتات عن طرف الصحن:"لا، الاستشهادي لا يعاني من عقدة مع الحياة، بل هو الأكثر فهما لها ولحدودها. ولذلك يطلب حياة كاملة".ثم ذكر اسما كأنه يعرف أن ذِكْره وحده يكسر الصورة النمطية: "خذ ساهر التمام من نابلس مثلا. كان من أوائل الاستشهاديين، إنسان ما ينقصه شيء. من عائلة ثرية، يملك سيارة، ويعيش في قصر، كان يقدر يعيش حياة ناعمة، وما يلتفت لكثير من اللي حوله.. لكنه بادر، واختار أن يتطوّع".في 16 أبريل/نيسان 1993، نفّذت المقاومة عملية استشهادية استهدفت حافلتين عسكريتين إسرائيليتين في مستوطنة ميحولا الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومترا من نهر الأردن. قاد ساهر حمد الله التمام سيارة مفخخة جُهِّزت بإشراف يحيى عياش، واتجه بها نحو حافلتين عسكريتين إسرائيليتين متوقفتين في الموقع.أسفر الانفجار عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين، في حادثة وُصفت حينها بأنها أول عملية من هذا النوع تحقق نتائج ميدانية مؤثرة، وشكّلت نقطة تحوّل في مسار العمليات الاستشهادية خلال تلك المرحلة من الصراع."عندما كنتُ أراجع تاريخ الانتفاضة في المصادر العبرية وجدت أن العمليات الاستشهادية تشكل الخطر الأول في عقلية المحتل!" قلتُ معلقًا."في الستينيات زار وفد من منظمة التحرير الصين، واجتمعوا بماو تسي تونغ، تخيل.. ماو الشيوعي!فكان مما قاله لهم: أنتم جايين تاخذوا التجربة منا ونحن قد أفدنا من الخطابي وغيره.. وبعدين أنتم عندكم عنصر لو وُجد في ثقافتنا مثله لحسمنا الكون كله مش بس صراع.. عندكم عنصر اسمه الجنة".وتابع وهو يحرك الشوكة فوق طبق الزيتون كأنه يرسم فكرةً: "فكرة العيش ما بعد الموت لما تسيطر على عقل إنسان تنقله من مكان إلى مكان آخر".يُعدّ محمود شريتح واحدا من أبرز الأسماء التي برزت في بنية العمل القسّامي خلال مطلع الألفية، جامعا بين النشاط الطلابي والتنظيمي. في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2002، اعتقلت وحدة من القوات الخاصة الإسرائيلية المستعربة محمود شريتح بالقرب من مسجد سيد قطب في مدينة رام الله، بعد فترة مطاردة طويلة. نُقل فورا إلى سجن المسكوبية، حيث خضع لتحقيق قاسٍ وعزلٍ انفرادي استمر خمسين يوما، قبل أن يُحوَّل إلى سجن هداريم ثم إلى سجن إيشل في بئر السبع.ووفق لائحة الاتهام الصادرة عن محكمة الاحتلال في "بيت إيل"، وُجّهت لشريتح سلسلة من التهم المرتبطة بمقاومة الاحتلال، من بينها المسؤولية عن تشكيل خلايا عسكرية، والتدريب على السلاح، وتجهيز عبوات ناسفة، إضافة إلى الإعداد لعمليات استشهادية. ونسبت المحكمة إليه العمل ضمن الدائرة القيادية المرتبطة بقادة في كتائب القسام، أبرزهم الأسيران إبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي، كما اتُّهم بالمسؤولية عن تجهيز منفذي عمليات داخل إسرائيل خلال انتفاضة الأقصى.وتشير الرواية الإسرائيلية إلى أن اعتقاله جاء بعد العملية القسامية التي نفذها إياد رداد من نابلس ردًّا على اغتيال قائد كتائب القسام صلاح شحادة في غزة، وأنه كان يستعد لإرسال منفذ آخر لتنفيذ عملية عند مدخل أحد مقاهي شاطئ تل أبيب.إلى جانب نشاطه التنظيمي، عُرف محمود شريتح بدوره الطلابي في جامعة بيرزيت، حيث شغل منصب أمير الكتلة الإسلامية ورئيس مجلس اتحاد الطلبة، وكان من الوجوه القيادية البارزة في العمل النقابي والسياسي داخل الجامعة. كما يُعرف بحفظه للقرآن الكريم، وإتقانه اللغتين الإنجليزية والعبرية، إلى جانب اهتمامه بالأدب العربي.وعلى مدى ما يقارب عقدين من الأسر، راكم شريتح تجربة طويلة داخل المعتقلات الإسرائيلية، متنقلا بين عدد من السجون، في مسار بات يمثل نموذجا لجيل من كوادر العمل القسّامي الذين انتقلوا من ساحات التنظيم والجامعة إلى زنازين الاعتقال، حيث تحولت السجون إلى محطة مركزية في سيرتهم السياسية والتنظيمية.منحتُهُ فاصلا من الصمت حتى يأكل قليلا، فقد أشغلته بأسئلتي وبقيت أستمع إليه وضرسي يطحن. عددتُ له ثلاث لُقيمات، ثم قلت له وأنا أقلب سؤالي في فمي قبل أن ألفظه: "كيف كان اليوم الأخير؟ يوم الإفراج.. كيف كان؟".لم يجبني فورا.مدّ يده إلى طبق الزيتون، اختار حبّة واحدة فقط، ثم قال كمَن يفتح بابا لا يحب دخوله لكنه مضطر:"يوم الإفراج.. ما كان يوما، كان زمنًا ممتدًا في نحو اثنتين وسبعين ساعة متصلة".تعالت في المطعم نغمة حزينة من الموسيقى التركية، أضافت بُعدا دراميا لحديث رجل يحكي عن آخر أيامه في الجحيم."جمعونا في سجن النقب.. كان البرد مزعجا جدا، برد صحراوي، يقرص العظم. أول ما وصلنا، صادَروا كل شيء كانوا سامحين فيه قبل، ما تركوا علينا إلا اللي يستر العورة.ثم وزّعونا على الزنازين، كانت الزنازين مكتظّة. زي اللي بدهم يخنقوك بالعدد إضافة للقيد".كنتُ أستمع لحديثه باحثًا عن نبرة تشبه الشكوى؛ فلم أجدها، كان كانت نبرته محايدة، كأنه يسجّل الواقعة كما هي: هذا حدث، وهذه تفاصيله، وهذا أثره."بين فترة وأخرى يعودون إلى التحقيقات والأسئلة.. كانوا حريصين على جعل اللحظات الأخيرة امتدادا للعذاب.وحين اقتربت لحظة التسريح، جمعونا في قفص حديدي كبير، ووضعوا أمامنا شاشة بث ضخمة"."شاشة؟ ليش؟". سألتهقال وهو يحرك كفّه حركة صغيرة: "كانت الشاشة تعرض الدمار في غزة، وضربات جيش الاحتلال هنا وهناك، واغتيالات.. الشريط ربع ساعة بس يعيدوه، ويعيدوه، ويعيدوه".كان يصف التكرار كأنه جزء من التعذيب. ليس المهم ما يُعرض، بل أن يُعرض عليك مرارا حتى تتعب من مقاومة أثره، ويصل إلى عقلك الباطن أن دولة الاحتلال لا حدود لقوتها."كانوا بدهم يزرعوا يأس أو هزيمة روحية في اللحظة الأخيرة.ثم عادوا إلى الروتين الذي يقتل الإنسان بالانتظار: مقابلات جديدة.. استمرّينا طول الليل تقريبا لحد حوالي العاشرة صباحا".في تلك اللحظة، جاءت النادلة وسألتنا إن كنا نريد شايًا آخر. التفتُّ إليه قبل أن أرد ظنًّا أنه سيغيّر رأيه ويختار التجربة. هزّ رأسه: "لا". ابتسمتُ للنادلة وقلت: "Sağ olun"(= ممتن لكِ)، نبهتني مقاطعة النادلة أن الناس خارج هذا الحديث يعيشون يوما عاديا.انتظر حتى ابتعدت النادلة، ثم عاد ليواصل حديثه: "قبل أن ينقلونا للباصات، جاءنا ضباط الشاباك، وأخذوا في التهديد: "ما أغلقنا الحساب معك.. سنصل إليك أينما ذهبت. لن تنجو. أمثالك لازم يتعفنوا في السجون. أمثالك ما لازم يشوفوا الشمس"".سكت لحظة، ثم قال بهدوءٍ: "كان اختبارا أخيرا لصبرك، لقوة روحك. بين العاشرة والواحدة وصل وفد الصليب الأحمر، دققوا الأسماء واحدا واحدا، وبعدين قالوا لنا: رح تُبعدوا خارج فلسطين"."هل اعترضتم؟". سألتُرفع كتفيه: "كنا نعرف القرار مش بإيدنا.. الاعتراض ما بغير شيء". ثم قال جملة خرجت منه بحسرة ظاهرة: "طبعًا كنا نتمنى نرجع بيوتنا.. الأهل، الأحباب، بس ما باليد حيلة"."لكن إذا خرجت إلى الضفة.. ما خفت إن السلطة تعتقلك ثاني يوم؟". قلتُ محاولًا أن أطرد غمامة حزن أخذت تخيّم عليه.نظر إليّ باستغرابٍ، كأنني سألته سؤالًا خارج النص: "الصراحة.. لم يخطر ببالي هذا أصلا".ثم قال وهو يضع أصابعه على حافة الطبق: "أنا على المستوى الشخصي كان أهم شيء عندي أكون بين أهلي وأقاربي وأحبتي.. قبل أي شيء.. ولأشياء أخرى". قال الكلمة الأخيرة بصوت خفيض، كأنه كان يخاطب نفسه.أردتُ أن أخفف من جو الكآبة الذي غمر الجلسة، فسألته محاولا إحياء ذكرى مضيئة: "طيب.. أكيد كان عندك أمنيات.. بعد ثلاث وعشرين سنة، ما الذي كنت تتمنى فعله بعد أن تنال حريتك؟".هنا تغيّر شيء في وجهه، لم يعد وجه "الرجل الذي يصف الوقائع"، بل صار وجه "الرجل الذي يحاول ألا ينكسر".قال: "يمكن كنت أقدر أجاوبك لو كانت ظروف الإفراج غير، لو كان المشهد زي صفقة وفاء الأحرار.. الناس تستقبل، فرح، كرامة..".ثم قطع الجملة ببطء، وقال: "بس اللي صار كان شيء ثاني".مدّ يده إلى كوب الماء، شرب، ثم نظر إلى الطاولة دون أن يراها: "لما شفنا حجم الدمار في غزة، انسحبت من القلب الأمنيات الشخصية، لم تعد تليق بزمن التضحيات الذي خرجنا فيه"، اختنقت الكلمات في صوته وأخذ يبكي بشموخ.سحبتُ المنديل الورقي وناولته إياه، أخذه، ومسح عينيه بعجل.قال بصوت يختلط بالدموع: "ما عاد يعنيني كثير إنه أفرج عني، وجع غزة أكبر من إنه يترك مساحة لأحلام فردية".ثم أضاف، وهو يحاول أن يستعيد نبرته التقريريّة حتى لا يُغرقه الشعور: "ما فكرت مين رح أقابل، ولا شو رح آكل، ولا شو رح ألبس، التفاصيل هاي صارت أقل من ثانوية".محاولا إعادة المحاولة الفاشلة في تجاوز الكآبة، قلت له: "ولكن ألستَ قد قمت بواجبك، ودفعت قسطا من عمرك لا يبذله أكثر الناس، ألم يحن الوقت الآن للتقاعد من العمل الثوري والنضال؟ سيقول لك كثيرون لقد أديت ما عليك، ولن يلومك أحد".ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه تعب من تكرار الحقيقة على قومٍ يسمعونها ولا يريدون فهمها: "الأمة كثير من شبابها ومثقفيها لا يميزون بين العمل كوظيفة والعمل كرسالة".ثم نظر إلى عينيّ مباشرة وقال: "الثائر ليس موظفا، والمجاهد ليس موظفا. أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- كان عمره تسعين سنة وطلع مع الجيش للقسطنطينية، لم ينظر إلى الجهاد كساعات عمل، ولم يبحث عن أجر نهاية الخدمة أو التقاعد.أبو أيوب كان فاهم إنه الإنسان ما دام فيه نفس فهو عامل لا يتوقف، الرسالة ما بتتعلق على باب مكتب، ولا تنتهي براتب آخر الشهر".ثم سكت لحظة، وقال كمَن يحاضر في جماعة: "لا ينبغي للمجاهد أن يتوقف عن العمل إلا في حالتين: إما أن يصل إلى غايته، وإما أن يقضي دونها".كان صعبا عليّ أن أستوعب أن هذه قناعة رجل قضى نحوا من ربع قرن في السجن ويتحدث بهذه الحماسة: "يعني بعد 23 سنة ما خطر ببالك تقول: خلص.. راحة؟"، سألته بحثًا عن اعتراف ببشريّته.هزّ رأسه بالنفي على الفور وقال: "ما خطر". ثم قال وهو ينظر إلى خارج المطعم كأن غزة هناك وراء الزجاج: "كيف يخطر وقد رأينا ما رأينا؟".مددت يدي إلى جهاز التسجيل، وقرّبته منه، وأنا أقول له: "لقد رأينا أشياء كثيرة خلال حرب الإبادة، يبدو لي أن المقاومة قد استفرغت كل طاقاتها في الإعداد، أو لنقل ما أمكنها بذله للإعداد في بيئة محاصرة على مدى نحو عقدين من الزمان، ومع ذلك، كل ما كنت تقولونه لشبابكم عن النصر وقربه، يبدو اليوم بعيدا جدا".كنت حريصًا أن أسمع جواب رجل يفيض إيمانا بفكرة المقاومة، ويُعدي مَن يجالسه بها."بعد كل هذا التضحية والثبات والإصرار، أين النصر؟" قلت.قال: "الناس تتعامل معه كأنه ضربة قاضية. أول شيء لازم نحرر مفهوم النصر، لأن كثيرا مما يدور حولنا اليوم هو معركة تعريفات".ثم سألني سؤالا يحمل جوابه داخله: "هل النصر هو النصر العسكري فقط؟".أجبتُ: "هو مطلوب مَن يحمل السلاح!"، ظنًا أنه ينتظر الجواب، ولكنه أكمل دون أن يلتفت إلى جوابي:"طيب.. ثلاث عشرة سنة في مكة اضطهاد وتعذيب، ومع ذلك كانت نصرا، نصر تأسيس وثبات وبناء إنسان".كان يتكلم، وأنا أراقب انفعاله بحديثه، هل يولّده من عقله معتمدا على مهاراته الخطابية، أم يتحدث حديث مَن يؤمن بكل ما يقوله؟شردتُ وأنا منغمس في مراقبته، ثم استفقت على عبارة: "بالمناسبة الطوفان لم ينتهِ بعد. هدأت المدافع، لكن تداعيات المعارك الكبرى تبدأ بعد صمت البنادق".ثم أشار بيده -إشارة خفيفة- كمَن يرسم دوائر متتابعة: "تداعيات داخل الكيان، في المجتمع، في الجيش، في نظرة العالم، جيل جديد في الغرب يعيد تقييم شرعيته الأخلاقية.. هذه وجوه من النصر أيضا.ثم هناك جانبٌ آخر بالغ الأهمية: قد يقع الحدث في فلسطين، لكن تداعياته تتوزّع في بقاع أخرى بعيدة عن ساحة الحدث، وأول الأمثلة سوريا.ما جرى في سوريا من تغيّر سياسي وأمني هو نتيجة مباشرة للطوفان. ومَن يقول بغير ذلك فهو يغلق عينيه عن الحقيقة. كذلك تغيّرت نظرة العالم إلى الكيان الصهيوني؛ جيلٌ جديد في أميركا والغرب يعيد تقييم شرعيته الأخلاقية، وهذا -بحدّ ذاته- وجه من وجوه النصر.للأسف، نحن أحيانا نفهم النصر كأنه ضربة قاضية على طريقة الملاكمة، بينما النصر في واقعنا قد يأتي بالتراكم، جولة بعد جولة. ورغم حجم الفقد والخسارة، لا يمكن إنكار أنّ نقاطا مهمة قد تحقّقت.وثمّة معنى إيماني يغفل عنه كثيرون: قال الله تعالى عن بني إسرائيل إنهم يغلبون بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس.وحبل الله انقطع عنهم تاريخيا بعد انحرافهم عن وحيه، فلم يبقَ لهم إلا حبل الناس. وها أنتَ اليوم ترى كيف بدأ يرتخي حبل الناس.على كل حال، كما تعلم جيدا، فالذي حارب في غزة ليس إسرائيل وحدها؛ بل العالم كلّه تقريبا، بعربه وعجمه، ورغم ذلك صمدت غزة. وفي العلوم العسكرية، يُعدّ بقاء الضعيف نصرا وهزيمة للقوي"."دعنا ننتقل إلى ملف آخر" قلتُ له."قبل أن ننتقل، أريد أن أقول لك التالي: بعد الهدنة، رأينا كيف استطاعت المقاومة الانتشار وضبط الأمور واستلام زمام الميدان بقوة، مما يدلّ على أنّها لا تزال حية، قادرة على إعادة الكرة في وقت لاحق.لذلك، التركيز على أنّ "النصر العسكري لم يأتِ" أو أنّ "إسرائيل انتصرت" أو أنّ "غزة انتهت" هو كلام مبكر، لا يراعي الصورة الكاملة.التداعيات لم تُكشف بعد، وعند ظهورها يمكن الحكم.انظر مثلا إلى الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات التي كادت تعصف بالكيان بسبب حرب 1973؛ مجرد زيادة في الإنفاق أدّت إلى تضخم خانق. فما بالك بما يجري اليوم؟صحيح أن أميركا ستُنقذهم، لكن المجتمع الإسرائيلي غير مُهيّأ لتحمُّل حياة تقشفية، فقد اعتاد على رفاهية الغرب. هذه الملفات كلها مترابطة، وهي التي ستُجيب عن سؤال النصر في النهاية"."أحيانا أظن أن انطباعاتنا عن إسرائيل رغبويّة." قلتُ معلقًا، ثم أضفت: "روّج الإعلام العربي، وبما فيه المقاوم، أن إسرائيل لا تصمد أمام الحروب الطويلة، ولكنها صمدت. وأنها لا تقاتل على عدة جبهات، ولكنها فعلت على مدى عامين. وأن المجتمع سيهرب عند أول حرب مفتوحة، ولكن الأمر لم يكن كذلك"."الشجاعة ليست لها ديانة؛ في اليهود شجعان وجبناء، وفي المسلمين كذلك. التعميمات خطيرة ومضلّلة". قال معقِّبًا. وأضاف: "والتعامل وفق مقررات مسبقة في الأغلب يوقع في مغالطات منهجية قد توصل إلى نتائج غير مرغوبة ولا متوقعة، وما تطرحه هو نموذج لذلك، وهي في المقابل تشبه الفرضية المسبقة أن إسرائيل كيان لا يُهزم.على كل حال المواجهة القادمة -في تقديري- ستكون في الضفّة. فغزة، رغم دورها التاريخي، تبقى ساحة محدودة. أمّا الضفة فهي ساحة الحسم. إسرائيل -لفقدان عمقها الإستراتيجي- تحاول نقل المعركة دائما إلى ساحات الخصم.لكن ماذا لو أصبحت المعركة في قلبها هي، واشتعلت الضفة. كيف ستتصرف؟ هذا اختبار لم يحدث بعد.ولذلك، لا يمكن أن نطلق الأحكام استنادا إلى التحليل النظري وحده. إذا أردنا اختبار العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فلا يكون ذلك بالكلام، بل بالتجربة الواقعية"."لنعُد إلى أيام الجامعة" قلتُ مستعيدًا الحديث عن شخصه. "كنتَ يوما أميرا للكتلة الإسلامية ورئيسا لاتحاد الطلبة في جامعة بيرزيت. هل ترى اليوم أي أفق للعمل النضالي الطلابي في ظل هذه الظروف؟".قال بهدوء مَن يعرف الطريق: "الجامعات ليست مباني إسمنتية ولا قاعات محاضرات، هي الخزّان الحقيقي لأي نهضة، فيها يتكوّن الوعي، وتتشكّل الكوادر، ويُصنع الجيل الذي قال عنه النبي ﷺ: "نُصرت بالشباب". مَن يمتلك هذا الخزّان البشري ويُحسن توجيهه، يستطيع أن يصل إلى كل ما يريد تقريبا.ارتشف رشفة صغيرة من قنينة الماء ثم تابع: "لهذا لم يكن الاستثمار في الجامعات يوما ترفا. كل الحركات التي فهمت هذه القاعدة -إسلامية كانت أم غيرها- بدأت من طلاب الثانوية والجامعات.ربّتهم، وأعدّتهم، وصنعت في داخل الجامعات وعيا جديدا غيّر أنظمة حكم بأكملها في بعض البلدان. الشباب طاقته مختلفة.نحن حين كنّا شبابا كنا نتقدّم قبل أن نحسب، أمّا اليوم فنحسب قبل أن نخطو خطوة واحدة.الشاب لا يثقله سؤال الميزانية، ولا تربكه حسابات المسؤوليات".لكن صوته تغيّر قليلا حين انتقل إلى الجيل الحالي: "جيل اليوم مُسيّس، نعم، لكنه ممزّق أيضا، ويحتاج إلى توجيه".قبل أيام كنتُ مع صديق يعمل محاضرا في جامعتك القديمة (بيرزيت) وقال لي إنه سأل طلابه يوما عن فتحي الشقاقي، فلم يعرفه أحد في القاعة!" قلتُ معلقا.قال بنبرة أسيفة: "هذا نتيجة اغتراب صُنِع بعناية: اغتراب عن القضية، عن الفكر، عن الدين، عن كل ما له معنى.جاءت مرحلة سلام فياض باللعبة الأخطر: إغراق الناس في القروض والديون. أن يبقى الإنسان لاهثا خلف الراتب، مشغولا بلقمة العيش، لا يسأل عن وطن ولا عن مستقبل.هذه السياسة ليست فلسطينية فقط، بل عربية بامتياز: إبقاء الناس فوق مستوى الغرق بقليل، منشغلين بالنجاة اليومية لا بالتحرر الكبير.لكن فلسطين لا تصبر طويلا على هذا النمط. عند أول شرارة انتفاضة حقيقية، ينفجر القدر. ينسى الناس الخبز، ويتقدّمون نحو المواجهة، لأن القضية أكبر من الطعام والشراب؛ هي قضية كرامة وحرية ورفض لعبودية تُهان فيها الكرامة صباح مساء".تنفّس بعمق ثم قال: "لهذا أقول لك: الاستثمار في العمل الطلابي ضرورة. ورغم كل الضغوط الأمنية، والمال السياسي، ومحاولات توجيه التصويت، لا تزال الحركة الإسلامية تتقدّم في انتخابات الجامعات. وهذا وحده دليل أن الوعي لم يمت.الطالب الذي يدخل العمل الطلابي داخل فلسطين يعرف يقينا أنه لن يُنهي دراسته دون أن يُعتقل مرة أو مرتين. ورغم ذلك يدخل، ويُعتقل، ويخرج".سألته عن دراسته، فابتسم كما لو يستعرض أرفف مكتبته: "درست في جامعة الأمة المفتوحة في غزة دراسة ذاتية، ثم حصلت على بكالوريوس إدارة أعمال، ثم ماجستير في الاقتصاد الإسلامي في كلية الدعوة في لبنان. وكنت على بُعد فصل واحد من إنهاء ماجستير الدراسات الإسرائيلية في جامعة القدس أبو ديس.كنت أوزّع وقتي بين الكتب: فقه، وسياسة، وتفسير، وعقيدة، وفكر، وسيرة، وروايات، وكتب أجنبية"، قال هذا وهو ينظر إلى حركة الباب الآلي للمطعم يُفتح ويغلق مع مرور أي عابر أمامه."هل تعاني من الأبواب المغلقة؟"، سألته بحثا عما بقي لديه من عُقد السجن.فهزّ رأسه مطمئنا: "لا مشكلة لديّ مع الأبواب المغلقة.في السجن كنت أعيش معنى كلمة ابن تيمية: "ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي في صدري"الخلوة كانت فرصة.إن توفر مصحف، أقبلت على القرآن حفظًا وتدبرًا.وإن توفر كتاب، وزّعت وقتي عليه.وإن لم يتوفر ورق ولا قلم، خزّنت الأفكار في ذهني، رؤوس أقلام، حتى أعود إلى مكان يسمح بالكتابة فأُسقطها على الورق من جديد".نظر إلى ساعته، فشعرتُ أن الوقت قد طال به، ويمنعه حياؤه من طلب إنهاء اللقاء. أغلقتُ جهاز التسجيل، وطلبتُ الفاتورة.شيّعته إلى باب المطعم ووقفتُ أراقبه وهو يستقل سيارته، يضبط المرآة، ويتحرك ببطء وحذر.خطرت لي خلاصة مجلسنا الطويل دفعة واحدة وأنا أرى سيارته تبتعد، هذا الرجل لم يصل بعد إلى الصفحة الأخيرة من كتاب حياته. بعض الحيوات، مثل بعض القصص الجيدة، ترفض أن تستلم لذوق القارئ فلا تنتهي نهاية متوقعة.

لماذا انهارت قسد بهذه السرعة؟

News

في 6 يناير/كانون الثاني 2026، اندلعت اشتباكات في حلب بين قوات أمن الدولة السورية الجديدة ومسلحين يتحصنون في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يتبعون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية.لم يكن اندلاع الاشتباكات مفاجئًا؛ ذلك أن المسلحين في الحيَّين لم يتوقفوا عن تصعيد التوتر من وقت لآخر في المدينة السورية الأكثر سكانًا في البلاد والمركز الصناعي والاقتصادي الأكبر والأهم. والأرجح، أن قيام مسلحي الأشرفية والشيخ مقصود بإطلاق النار على قوات الأمن المتمركزة في أطراف الحيين كان مدفوعًا هذه المرة بسعي قيادات قسد، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، للضغط على دمشق، ومنع تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.ما لم يضعه دعاة التمرد والانقسام في قسد وحزب العمال في الحسبان أن عودتهم إلى العبث بأمن حلب سيؤدي إلى سلسلة من التداعيات، التي بدأت بخروج مسلحيهم كلية من المدينة بعد 5 أيام فقط من اندلاع الاشتباكات، وإلى اندفاع قوات الجيش السوري لاستعادة السيطرة على كل المنطقة في ريف حلب الشرقي، وإلى إصدار الرئيس السوري مرسومًا يسحب من الأطراف الكردية مبرراتها الانفصالية، وإلى توقيع مظلوم عبدي، عن بُعد، في مساء 18 يناير/كانون الثاني، اتفاقًا جديدًا مع الرئيس الشرع، هو أقرب إلى الاستسلام.ما الذي حدث في سوريا في أسبوعي المواجهة بين قسد والدولة السورية الجديدة؟ كيف ولماذا انهارت قوات قسد، وتهشَّمت صورتها الأسطورية، بهذه السرعة؟ وهل سيضع اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، وما تلاه من تفاهمات، بين مظلوم عبدي والشرع، نهاية لملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سوريا منذ 2014؟وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من قيادة قسد إلى دمشق، في 4 يناير/كانون الثاني، أي قبل يومين فقط من بدء الاشتباكات في حلب. كان من المفترض أن يلتقي عبدي المسؤولين السوريين في دمشق، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، موعد الانتهاء من ترتيبات تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار.غير أن قائد قسد طلب تأجيل جولة المباحثات إلى موعد لاحق، انتظارًا لنتائج زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة ولقائه الرئيس دونالد ترمب في 29 ديسمبر/كانون الأول.كانت قيادات حزب العمال وقسد، التي بدأت اتصالات مع الإسرائيليين منذ أوائل 2025، تأمل بأن يساعد نتنياهو على تغيير موقف إدارة ترمب من اتفاق 10 مارس/آذار، وتأمين غطاء أمريكي لوجود قسد واحتفاظها بمواقع سيطرتها.ولأن نتنياهو فشل في إقناع ترمب بالتخلي عن سياسة دعم وحدة سوريا واستقرارها، لم يجد عبدي مناصًا من الذهاب إلى دمشق. ولكن، وبخلاف المتوقع، لم ينجح اللقاء بين عبدي ومسؤولي الحكومة السورية في إحراز أي تقدم ملموس. والأرجح، أن الجناح الأكثر تشددًا في قسد، والذي تربطه بحزب العمال علاقات وثيقة، دفع إلى إشعال الموقف في حلب للتوكيد على انهيار الاتفاق، والمحافظة على سوريا ساحة نشطة لحزب العمال الكردستاني، بعد أن كان الحزب قد انخرط فعلًا، بدعوة من مؤسسه عبد الله أوجلان، في عملية سلام وتخلٍّ عن العمل المسلح في تركيا.لا شك أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود ظلت مصدر قلق كبير للقيادة السورية منذ انهيار نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024؛ ليس فقط لأن مسلحي قسد لم يتوقفوا عن الإخلال بأمن المدينة التي تعد المركز الرئيس للاقتصاد السوري، بل أيضا لأن استمرار وجود تشكيل مسلح في أكبر مدن سوريا يعمق الانطباع بعجز الدولة عن فرض سيادتها على أراضيها وشعبها، ويشجع قسد على المضي في مشروعها الانفصالي. لذلك، فإن فشل مباحثات دمشق، من ناحية، والعبث بأمن واستقرار حلب، من ناحية أخرى، دفعا القيادة السورية إلى العمل على حسم الموقف في الأشرفية والشيخ مقصود.استدعى الأمن السوري العشرات من العناصر الكردية السورية المنخرطة في صفوفه، إضافة إلى وحدات الجيش التي تضم جنودًا كردًا سوريين، للمساعدة على طمأنة أهالي الأشرفية والشيخ مقصود، الذين طُلب منهم إخلاء الحيين مؤقتًا إلى أن يتم إخراج المسلحين.ولم تتطلب العملية الأمنية أكثر من خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من مسلحي قسد وعناصر تابعة للنظام السابق كانوا يقاتلون إلى جانبهم، واستسلم عشرات آخرون. انتهت العملية، بعد أن تبين عجز المسلحين عن المقاومة، بإعلان قسد، في فجر 11 يناير/كانون الثاني، عن إخلاء حلب من عناصرها، والموافقة على أن تقوم السلطات السورية بنقل من استسلم منهم إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شرق الفرات.ولأن مواقع تمركز قسد الأخرى في ريف حلب الشرقي استُخدمت لإطلاق طائرات مسيرة على مواقع قوات الدولة السورية في حلب أثناء أيام الاشتباكات، فقد طالبت القيادة السورية بإخلاء فوري لمسلحي قسد من أماكن تواجدها في غرب الفرات. لكن قيادة قسد لم تستجب لطلب الإخلاء؛ ما استدعى تقدم القوات السورية باتجاه كفر حافر ومسكنة، ومن ثم جنوبًا إلى الطبقة، التي تشرف على سد الفرات، أكبر وأكثر سدود الفرات حيوية. وبعد أن نجحت قوات الجيش السوري -إثر اشتباكات محدودة في عدد من المواقع- في محاصرة مسلحي قسد، أعلنت قيادة الأخيرة الانسحاب من غرب الفرات، ثم من سد الفرات الثاني، سد تشرين.ومنذ صباح 19 يناير/كانون الثاني، بدأت محافظتا دير الزور والرقة تشهدان انشقاق أعداد متزايدة من أبناء العشائر العربية، الذين كانوا قد التحقوا في السابق بصفوف قسد. وقد نجح أبناء العشائر في طرد قوات قسد من مراكز تواجدها في ريف دير الزور، ولا سيما من حقول النفط الرئيسة الثلاثة في المحافظة، ومن معظم أحياء مدينة الرقة.ولأن قوات الجيش السوري كانت قد عبرت بالفعل نهر الفرات إلى الجزيرة، فقد أتمت سيطرتها على محافظتي دير الزور والرقة، وشرعت في تمشيط مواقع تمركز قسد السابقة، تمهيدًا لتسليم المدينتين لأجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، والمسؤولين عن قطاعات الخدمات المختلفة.ولكن، وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي كان قد وقَّع اتفاقًا جديدًا مع الشرع يقضي بوقف إطلاق النار وإخلاء محافظتي دير الزور والرقة، وعودة إدارات الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، إلا أن مسلحي قسد في الجزيرة لم يكترثوا للاتفاق الجديد، ولم تشهد المحافظتان واقعة انسحاب واحدة دون ضغط عسكري من الجيش السوري.على العكس من ذلك، لجأ مسلحو قسد إلى إطلاق مئات من معتقلي تنظيم الدولة من سجن الشدادي، الذي كان تحت إدارة قسد، وهو ما عدَّته القيادة السورية ابتزازًا سافرًا.ثم أخلوا مخيم الهول سيء السمعة؛ حيث يُحتجز الآلاف من عوائل مقاتلي تنظيم الدولة (داعش)، دون تسليمه للدولة السورية. كما اعتصم مسلحو قسد في سجن آخر في الرقة، ولم يوافقوا على الخروج منه إلا في 23 يناير/كانون الثاني، بعد تهديد الجيش السوري باقتحام السجن بالقوة.كان الهدف من استخدام ملف السجون إثارة مخاوف القوى الغربية من احتمال عودة تنظيم الدولة إلى النشاط في الجزيرة. ولكن هذا التصرف أثار الأمريكيين ولم يوقف الجيش السوري عن التقدم. فقد بدا أنه تسلم أوامر قاطعة بحسم الموقف في محافظات الجزيرة جميعًا، بما في ذلك محافظة الحسكة، المركز الرئيس لقسد وإدارتها الذاتية.مساء 19 يناير/كانون الثاني، كانت القوات السورية قد أحكمت سيطرتها على الشدادي في منتصف الطريق بين الحسكة ودير الزور.ومع نهاية اليوم التالي، كانت وحدات من الجيش السوري قد أحاطت بمدينة الحسكة من ثلاث جهات، بينما بدأت وحدات أخرى في طرق أبواب عين العرب (كوباني)، في الجانب الشرقي من الفرات وريف حلب.وهذا ما طرح السؤال حول هشاشة البنية العسكرية لقسد وتداعي إرادة القتال لدى عناصرها، التي طالما حاولت قياداتها إظهارها في صورة الحارس الصلب للإدارة الذاتية.وُلدت قسد، في 2015، باقتراح أمريكي، لتوسيع نطاق وحدات حماية الشعب، التي كانت قد تشكلت في 2014 ذراعًا مسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD)، الذي وُلد بدوره في 2003 بوصفه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.خلال العامين الأولين من الثورة السورية، وقبل بدء التعاون مع الأمريكيين، عملت قوات حماية الشعب على قمع القوى السياسية الكردية الأخرى في محافظة الحسكة، وأحكمت سيطرتها على معظم مدن وقرى الوجود الكردي.ضمَّت قسد، بتشجيع وتمويل وتسليح أمريكي، عشرات الآلاف من أبناء العشائر العربية في الجزيرة، وأعدادًا من السريان والآشوريين، وأقامت إدارة ذاتية في مناطق سيطرتها.ولكن قيادة قسد ظلت كردية حصرًا، كما حافظت وحدات حماية الشعب على وضعها المركزي في التشكيلات العسكرية. بل إن حزب العمال الكردستاني أرسل عناصر قيادية من جبال قنديل إلى سوريا لتأمين سيطرته على قرار قسد والإدارة الذاتية.وبعد سقوط نظام الأسد، استقبلت منطقة السيطرة الكردية أعدادًا متزايدة من عناصر النظام وأجهزته الذين قاتل معظمهم إلى جانب وحدات قسد العسكرية.لم تكن قسد منظمة عسكرية أيديولوجية نقية بل كانت أقرب إلى تجمع من القوى والأفراد الذين جاؤوا من خلفيات متنوعة وبدوافع مختلفة.بعض أعضاء قسد هم فعلًا من الأكراد الذين تلقوا تدريبًا وتثقيفًا في دوائر حزب العمال الكردستاني، وبعضهم من الشبان الأكراد أو السريان العاطلين، الذين جذبتهم إغراءات الوظيفة والمكافآت المالية السخية، سيما بعد تراجع مخاطر القتال ضد تنظيم الدولة، أو الذين جُنِّدوا بالقوة.أما المسلحون العرب، فجُلُّهم كان ممن نظَّمتهم القوات الأمريكية في الجزيرة لقتال تنظيم الدولة وظل ولاؤهم في الحقيقة لعشائرهم.ينحدر كل من وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الاستخبارات السورية في أصولهما من منطقة الجزيرة.كما أن جهاد عيسى الشيخ، القيادي السابق في هيئة تحرير الشام، الذي عينه الشرع مستشارًا للرئيس مسؤولًا عن ملف العشائر، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، هو ابن قبيلة البكارة، إحدى أكبر عشائر شمال وشمال شرقي سوريا.ولا يستبعد أن يكون هؤلاء جميعًا قد أسهموا بصورة فعَّالة في انشقاق أبناء العشائر عن قوات قسد، في الرقة ودير الزور، وانحيازهم إلى جانب الدولة السورية.كما لعب أسلوب قسد في إدارة المناطق التي كانت تحت سيطرتها، وسوء معاملتها للأغلبية العربية في الجزيرة، دورًا في تصاعد الرفض لقسد حتى قبل انهيار النظام السابق.وليس ثمة شك في أن اتخاذ القوات الأمريكية في المنطقة موقفًا محايدًا من المواجهة بين قسد وقوات الجيش السوري، تسبب في انهيار فادح في معنويات مقاتلي قسد، الذين اعتادوا الاعتماد على الدعم الأمريكي الكبير في كافة مواجهاتهم السابقة مع تنظيم الدولة.وهذا ما تسبب، في النهاية، في هشاشة تماسك قسد العسكري وانهيار قدرتها على القتال. في حلب، وفي ريفها، كما في الرقة وبعض المواقع في دير الزور.كانت قلَّة فقط من العناصر الكردية المؤدلجة وبعض بقايا نظام الأسد من قاتلت الجيش السوري بصلابة وتصميم. بينما استسلمت أعداد كبيرة أو تركت مواقعها سريعًا وغادرت إلى الحسكة. وما إن بدأ الجيش السوري في عبور الفرات إلى الجزيرة حتى انقلبت العناصر العربية على قوات قسد الأخرى.ولكن المؤكد أيضًا أن الطريقة التي أدارت بها القيادة السورية تعقيدات الأزمة، والمقاربة التي تبنَّتها سريعًا للملف الكردي، أسهمت بصورة مباشرة في عزلة قسد السياسية، سوريًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وفي هزيمتها في نهاية المطاف.أَوْلَت القيادة السورية ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع الاشتباكات في الأشرفية والشيخ مقصود اهتمامًا كبيرًا للسياق السياسي للعمليات العسكرية التي تعهدها الجيش لحسم الموقف في حلب وريفها، وفي محافظات الجزيرة السورية.وقد حرصت دمشق على إطلاع مبعوث الرئيس ترمب لسوريا، السفير الأمريكي في أنقرة، توم براك، على تعثر تطبيق اتفاق مارس/آذار، الذي كان قد وُقِّع أصلًا بوساطة أمريكية، وعجز مظلوم عبدي عن التصدي لهيمنة حزب العمال على شؤون قسد والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.والواضح أن دمشق دأبت على التواصل مع الجانبين الأمريكي والتركي وإطلاعهما على تطورات الحملة العسكرية، وكافة جوانب التفاوض مع قسد. وتشير الاتصالات الهاتفية بين الرئيس السوري وكل من الرئيس التركي وأمير قطر وولي العهد السعودي إلى أن هذه الدول الثلاث لعبت دورًا فعَّالًا في تطور الموقف الأمريكي من وحدة سوريا واستقرارها، وفي تحذير الإسرائيليين من التورط في الملف الكردي السوري.في 16 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري يحرز تقدمًا ملحوظًا في إجبار قوات قسد على إخلاء مواقعها في ريف حلب وجانب الفرات الغربي، أصدر الرئيس الشرع المرسوم 13 لعام 2026، الذي خُصِّص لمعالجة المسألة الكردية في سوريا. أكد المرسوم على الحقوق المواطنية لكافة الأكراد السوريين، وألغى كافة الإجراءات التي ترتبت على إحصاء 1962 سيء السمعة، الذي حرم الكثير من الأكراد من جنسيتهم السورية، واعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد في مناطق أغلبيتهم السكانية، وأعلن يوم النيروز عيدًا وطنيًّا للإخاء وعطلة مدفوعة الأجر.لا شك أن إصدار المرسوم في ذلك التوقيت كان خطوة ذكية من القيادة السورية، ساعدت على طمأنة المجتمع الكردي، وأعادت التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة للدولة الجديدة.وكان هذا المعنى هو ما حرَّك الآلاف من السوريين، الأكراد والعرب، للخروج إلى الشارع في دمشق وعفرين للاحتفال بالمرسوم الرئاسي الجديد. كما استُقبل المرسوم في واشنطن بقدر كبير من الارتياح. في المقابل، دفعت الإدارة الذاتية في الحسكة وقامشلي بمتحدثين باسمها أو مقربين منها للتقليل من قيمة المرسوم. وكانت جهات في دمشق قد أشارت إلى أن المرسوم كان يفترض أن يصدر ضمن سياق تطبيق اتفاق مارس/آذار، ولكن نكوص قسد عن الالتزام بالاتفاق دفع الرئيس السوري إلى إصداره بغضِّ النظر عن موقف قسد.في ظل توازن القوى الجديد بين قسد ودمشق، تحرك المبعوث الأمريكي لسوريا، توم براك، وبدأ العمل على تنفيذ اتفاق مارس/آذار، دون المزيد من تفاقم العنف وسفك الدماء.وتكشف خطوات براك في الأيام التالية عن أن تحركه استند إلى تحول جوهري مسبق في مقاربة إدارة ترمب للوضع السوري، وإلى تفاهمات بين أنقرة ودمشق وواشنطن بخصوص الوجود الكردي المسلح في سوريا.في 17 يناير/كانون الثاني، التقى توم براك مظلوم عبدي، بحضور الزعيم الكردي العراقي، مسعود بارزاني. وكان لافتًا أن اللقاء تم في أربيل وليس الحسكة، وفي ضيافة بارزاني، المعروف بعدائه لحزب العمال الكردستاني.خلال اللقاء، الذي بدا فيه موقف مظلوم عبدي ضعيفًا، هاجم براك قسد، واتهمها بالتعاون مع إيران ومحاولة جرِّ إسرائيل إلى معركة مع تركيا في سوريا. وقال لعبدي إنه خدعه وخدع الرئيس السوري بالتهرب المتكرر من تطبيق اتفاق مارس/آذار.وأكد براك أن قسد، من وجهة نظر إدارة ترمب، قد انتهت، ولم يعد ثمة مبرر لوجودها. بذلك، وضع براك أمام عبدي الخطوط العريضة لما يمكن أن يتم الاتفاق عليه لوقف العنف، ودعاه للالتحاق به في دمشق في اليوم التالي.في 18 يناير/كانون الثاني، جرى اتصال هاتفي بين الشرع ومسعود بارزاني، حرص خلاله الرئيس السوري على طمأنة الزعيم الكردي العراقي بشأن موقف الدولة السورية الجديدة من المسألة الكردية.وطلب منه دعم جهوده لإخراج حزب العمال الكردستاني من سوريا، ودعم جهود الدولة السورية في التعامل مع الوضع في الشمال الشرقي.وفي مساء اليوم نفسه، وصل توم براك للاجتماع بالرئيس السوري في دمشق، بينما أعلن عن أن الظروف الجوية وقفت حائلًا أمام التحاق مظلوم عبدي باللقاء.انتهت مباحثات براك مع الشرع إلى اتفاق ملحق باتفاق مارس/آذار 2025، وقَّع عليه الرئيس السوري حضورًا بينما وقَّع عليه مظلوم عبدي عن بعد.وضع الاتفاق الجديد تفسيرًا محددًا لكافة المسائل التي لم تكن قد وُضعت في صياغات محددة في اتفاق مارس/آذار. ونصَّ على إخلاء قسد لمحافظتي الرقة ودير الزور، وعلى عودة أجهزة الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، وهو ما يعني نهاية ما يسمى بالإدارة الذاتية. كما نص على إخلاء كافة المظاهر العسكرية في عين العرب (كوباني)، بينما ترك مصير قوات قسد في محافظة الحسكة ليُبحث ضمن ترتيبات إدماج مسلحيها في مؤسستي الجيش والأمن، بصورة فردية.في 19 يناير/كانون الثاني، وبينما كانت قوات قسد تقاوم تقدم الجيش السوري في الجزيرة، وصل عبدي إلى دمشق، والتقى بالرئيس الشرع في اجتماع استمر خمس ساعات.طالب الشرع عبدي بالتنفيذ الفوري لاتفاق اليوم السابق، وعرض عليه تسمية مرشح لمنصب مساعد وزير الدفاع، وآخر لمنصب محافظ الحسكة، وطلب منه أسماء للتمثيل في مجلس الشعب وأخرى للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية.ولكن عبدي تنصل من التزامات اتفاق اليوم السابق، الذي كان قد وقَّعه بالفعل، وعاد إلى المطالبة بإدارة ذاتية كاملة في محافظة الحسكة، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري كوحدات عسكرية وليس كأفراد، وطالب بمهلة خمسة أيام لبحث بنود الاتفاق مع قيادات قسد الأخرى، يتوقف خلالها الجيش السوري عن التقدم في الجزيرة.تشير بعض التقارير إلى أن توم براك غادر الاجتماع قبل نهايته غاضبًا من تنصل قسد من التزامات الاتفاق الذي كان هو شخصيًّا من توسط في إتمامه، ويبدو أنه أبلغ واشنطن بذلك؛ وهو ما دفع الرئيس ترمب إلى إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس السوري، مباشرة بعد نهاية اللقاء مع عبدي أكد خلاله على وحدة سوريا وسيادة دولتها، في تحول واضح لموقف واشنطن من مشروع قسد الانقسامي. كما دعا ترمب الشرع إلى ضرورة تأمين مراكز احتجاز مسلحي تنظيم الدولة، التي كانت قسد أخلتها دون تنسيق مع الدولة السورية.في مساء 20 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري على أبواب عين العرب والحسكة، أُعلن في دمشق عن تفاهمات إضافية بشأن محافظة الحسكة، أكدت على البنود التي تضمنها اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، ومنحت قسد مهلة أربعة أيام تبدأ من مساء اليوم نفسه. خلال المهلة، كان على قسد أن تتوصل إلى توافق بين قياداتها على ترتيبات اندماج محافظة الحسكة في إدارات الدولة السورية، بما في ذلك وزارة الداخلية، على أن تحافظ الأطراف خلالها على وقف إطلاق النار، ويتوقف الجيش السوري عن التقدم إلى القرى والمدن ذات الأغلبية الكردية في المحافظة.نصَّت الهدنة كذلك على تعيين نائب لوزير الدفاع السوري ومحافظ للحسكة، ترشحهما قسد، وعلى انخراط عناصر قسد العسكرية في الجيش والأمن السوري طبقًا للاتفاق السابق، عبر آلية يجري الاتفاق عليها.يمكن القول بأن قسد انتهت فعليًّا منذ تقدمت القوات السورية وسيطرت على معظم الجزيرة. وبانشقاق عشرات الآلاف من المسلحين العرب، وإعلان واشنطن نهاية المهمة التي كانت أوكلت إليها، عادت قسد إلى وضعها الأصلي: وحدات حماية الشعب، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي، فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا. المؤكد أنه لا قسد ولا الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، كان باستطاعتها، في أية لحظة تمثيل كافة الكرد السوريين والتحدث باسمهم جميعًا.لم يستطع الاتحاد الديمقراطي كسب ولاء معظم أكراد عفرين، ولا ولاء معظم أكراد حلب ودمشق. ولم يلعب الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، دورًا مؤثرًا في مسار الثورة السورية ضد نظام الأسد.وفي كل حالات التَّماس بين وحدات حماية الشعب، أو قسد، ومواقع نظام الأسد في الجزيرة، كانت قوات النظام تخلي مواقعها لصالح القوات الكردية بأوامر من دمشق. وظلت خطوط الاتصال بين الطرفين مفتوحة إلى وقت قريب من سقوط النظام. الدور الأساسي الذي لعبته قوات حماية الشعب، سيما بعد تشكيل قسد والتحالف مع الأمريكيين، كان في القتال ضد تنظيم الدولة.لا شك أن سيطرة أذرع حزب العمال الكردستاني على مناطق الأغلبية الكردية في شمال شرقي سوريا كانت وبالًا على القضية الكردية في سوريا.وقد أوقعت أنظمة الحكم المتعاقبة في دمشق ظلما فادحًا بأكراد شمال شرقي سوريا، نظرا لوصول هذا القطاع المتأخر من المجتمع الكردي إلى سوريا.ولكن المطالب الانفصالية لم تكن ذات انتشار واسع في صفوف الكرد السوريين، ولا أسست جذورًا عميقة في الخطاب السياسي الكردي السوري. وإلى حدود اندلاع الثورة السورية وبدء موجات الهجرة الكردية إلى أوروبا، لم يكن الأكراد يمثلون أكثر من أربعين بالمئة من سكان محافظة الحسكةمنذ انطلاق الثورة السورية، شارك أهالي الحسكة والقامشلي في كافة الفعاليات الشعبية، كما شارك أكراد سوريون في هيئات الثورة التمثيلية، مثل المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة. وكان واضحًا أن قيادات الثورة، السياسية منها والعسكرية، تبدي تفهمًا ووعيًا بالمسألة الكردية، وتحرص على أن تكون معالجة مظالم الأكراد السوريين في صدر أولويات الثورة وتصورها لسوريا الجديدة.وبعد نجاح هيئة تحرير الشام والقوى المتحالفة معها في إطاحة نظام الأسد، لم تتوان القيادة السورية الجديدة، في كافة اللقاءات مع مظلوم عبدي ووفود قسد، عن تأكيد عزم دمشق على معالجة المسألة الكردية في إطار المواطنة الجامعة ووحدة ومساواة كافة جماعات الشعب السوري.وليس من الواضح طبيعة العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب، من جهة، وقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، من جهة أخرى، أو بالأحرى ما انتهت إليه هذه العلاقة.ثمة من يرى أن مظلوم عبدي ورفاقه من الكرد السوريين أكثر عقلانية وبراغماتية، ولكن حزب العمال الكردستاني يقف حائلًا أمام محاولة التوصل إلى تفاهم مع دمشق. ويرى آخرون أن ما يجري ليس سوى لعبة توزيع أدوار تقليدية، وأن عبدي مجرد واجهة لبرنامج العمال الكردستاني في الساحة السورية.وكان ملاحظًا في الأسابيع القليلة الماضية أن قيادي حزب العمال الكردستاني البارز، باهوز إردال (اسمه الأصلي فهمان حسين)، هو من قاد المواجهة ضد الجيش السوري في ريف حلب والرقة.لكن تدخل حزب العمال الكردستاني، مهما كانت طبيعته، لم يُجْدِ نفعًا، بل دفع قيادات الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب إلى وضع حرج.وكان بإمكانهما الخروج من المواجهة مع الدولة السورية بمكاسب أكبر، تحقق الانتصار للمجتمع الكردي وترفع عنه مظالم العقود الماضية. والحقيقة أن المشروع الانفصالي في شمال شرقي سوريا جرى تسويقه في مرحلة ضعف الدولة وثورة الشعب ضد النظام الحاكم. لذلك، لم يعد هذا المشروع يملك شروط الاستمرار بعد أن نجح الشعب في إسقاط النظام، ونجحت الدولة الجديدة في إعادة بناء جيشها.وخلال أسبوعين فقط من اندلاع أحداث حلب، تمكن الجيش السوري من استعادة معظم الأرض التي كانت تحت سيطرة قسد في غربي الفرات والجزيرة، والتي تزيد عن ربع مساحة سوريا. ولولا إعلان الهدنة الأولى، كان يمكن للجيش السوري الاستمرار في التقدم إلى عين العرب والحسكة.ولكن الحرص على تفادي سفك الدماء دفع وزارة الدفاع السورية إلى القبول، في ساعة متأخرة من مساء 24 يناير/كانون الثاني، بتمديد وقف إطلاق النار في كافة مناطق عمليات الجيش السوري لأسبوعين إضافيين.ولكن الملاحظ أن بيان وزارة الدفاع السورية تجاهل كلية الإشارة إلى قسد، وربط تمديد وقف النار بعملية نقل عناصر تنظيم الدولة الذين كانوا محتجزين في سجون قسد إلى العراق، التي يقوم بها الأمريكيون.قسد، من جهتها، رحَّبت بالتمديد، ولكن لا شيء يؤشر إلى أنها بصدد تنفيذ اتفاق الاندماج والتخلي عن مطلب الإدارة الذاتية الكاملة في محافظة الحسكة.ويبدو أن قياداتها تنتظر حدوث تحول ما في الموقف الدولي، ولا سيما بعد أن صدرت أصوات في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين تعترض على عمليات الجيش السوري وتشيد بتحالف قسد مع القوات الأمريكية في المعركة ضد تنظيم الدولة.ويبدو أن حزب العمال الكردستاني يقوم في الوقت نفسه، طبقًا لتقارير وزارة الدفاع السورية، بدفع المزيد من مقاتليه من جبال قنديل إلى محافظة الحسكة، إما بهدف ردع الجيش السوري عن محاولة بسط السيطرة على ما تبقى من المحافظة، أو الاستعداد لمواجهة حاسمة.دمشق، كذلك، لم تتوقف عن تعزيز قوات الجيش في محاور العمليات في الحسكة وعين العرب. والأرجح أن القيادة السورية وصلت إلى قناعة بأن أصحاب القرار فيما تبقَّى من قسد ليس لديهم اهتمام بالاندماج في جسم الدولة السورية، ولا بحقوق الأكراد الوطنية، ولا بوحدة سوريا واستقرارها، وأن اهتمام هؤلاء الوحيد هو السيطرة على قطعة من الأرض السورية لإقامة كيان قومي كردي.والواضح، أن دمشق ليست مستعدة لتحقيق هذا المطلب. لذلك، ما لم يحدث تطور نوعي خلال أسبوعي تمديد الهدنة، يفضي إلى تطبيق فوري لاتفاق الاندماج، فلابد أن الجيش السوري سيتحرك لإعادة محافظة الحسكة برمتها إلى جسم الوطن السوري. والمؤكد أن الجيش السوري سيتخذ خلال هذين الأسبوعين كل الاحتياطات الممكنة لتجنيب المحافظة وأهلها عواقب المواجهة وأعباءها.____________________رابط الدراسة